زاكورة، مراوحة بين الزمن البدائي والتحضر

فريق التحرير

بقلم جواد البلدي

يخيل للزائر لأول مرة لمدينة زاكورة “مدينة النخيل والتمر” أنه يعود به الزمان إلى عصر الموحدين أو فترة في العصور الوسطى ليس لعزلتها الجغرافية وبعدها عن التحضر بالمعنى السوسيولوجي فقط، بل أيضا لرتابة نمط العيش ولبطء الزمن كذلك ، إذ ما إن تعايش سكان المنطقة في ثقافتهم وتقاليدهم وتتغلغل في ملاحظة أسلوب أو نمط حياتهم حتى يتبين لك أنك لا تعيش في القرن الواحد والعشرين عصر السرعة والتغير الديناميكي والتسابق مع الزمن، وإنما تعود بك ذاكرتك إلى زمن غابر حيث كان الإنسان يعتمد على ما هو طبيعي أكثر مما يعتمد على ما أنتجته التقنية والتقدم التكنولوجي، ويكفي أيضا بملاحظة بسيطة لليومي المعيش سواء أثناء تسوقك من عند البقال، أو في سيارة الأجرة أو أثناء دخولك لمطعم أو مقهى أو حتى في المسجد وكذا في المدرسة… أن تكتشف أنه لا أهمية للزمن (الوقت) عند أهل المنطقة، وبمقارنة بسيطة بين مدينة الدار البيضاء – مدينة التناقضات والصراع بكل أنواعه والحركية والسرعة المهولة في كل شيء – لدرجة لا يمكنك أن تأخذ سيارة أجرة إذا لم تكن تعرف شفرة الحي الذي ستذهب إليه ، لأن السائق لا يتوقف ليسألك إلى أين أنت ذاهب ، بل ينظر فقط إلى إشارتك أو رمز الجهة التي سيقلك إليها قبل أن يتوقف – وبين مدينة زاكورة – التي يمكن للتلميذ فيها مثلا أن يأتي متأخرا بربع ساعة عن الحصة الدراسية معتبرا أن ذلك أمر عادي، والتي يمكنك أيضا أن تجلس في محطاتها (محطة سيارات الأجرة، أو محطة الحافلات) منتظرا لأكثر من ساعتين – يمكن للملاحظ إدراك الفرق الشاسع بين نمط العيش في المدينتين، ولا غرو إذا قال الباحثون في الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع أن الإنسان ليس إلا ما أنتجته التربية والتنشئة الاجتماعية ، فما يتلقاه الفرد منذ الطفولة من أفكار وتمثلات وقيم وأوامر ونواهي وتقاليد وأعراف … هي ما يشكل هويته وشخصيته، وإذا كانت حياة المجتمع في زاكورة إلى حدود الستينات و السبعينات أو حتى الثمانينات تتميز بالجمود الحضري (أقصد عدم مسايرة التقدم بكل أنواعه) نظرا لقساوة المناخ من جهة، وعزلة المنطقة من ناحية ثانية، فلا عجب أن يكون جيل الألفية الثالثة نتاج للأجيال السابقة في سلوكاتهم وأفعالهم ونمط عيشهم، وإن بدا جيل الشباب هذا متمشيا مع التقدم، فذلك ليس إلا على مستوى استهلاك الإنتاجات التكنولوجية والتقنية كالهاتف النقال “آخر موديل” وأجهزة البارابول والكمبيوتورات … وغيرها من الأدوات الأخرى ، وهذا ما يطرح إشكالية التناقض حيث نجد على المستوى العملي تهافت على استهلاك هذه الأدوات والتباهي بها في الشارع وحتى في المدرسة، في حين يبقى المستوى النظري مطبوعا بالجمود والثبات إن لم نقل يتراجع إلى الخلف – خصوصا على مستوى التحصيل المعرفي – إذ ما معنى أن تأتي مثلا إلى المدرسة وسماعة الهاتف في أذنك ؟ أو أن تدخل إلى المسجد وتترك الهاتف مشغلا ثم تسمع أغنية نانسي عجرم أو الشاب مامي، أو… والفقيه يقرأ القرآن في الركعة الأولى أو الثانية، أو أن تعفط على الكرسي برجليك ثم تجلس عليه دون مبالاة ولا اهتمام، لكن هذا لا يعني أننا ننتقص من قدر ثقافة هذا المجتمع أو أعرافه، بقدر ما يحيل إلى تسجيل بعض الملاحظات، ولكل فرد الحق في هذا ما لم يهن الآخر، فستراوس الفرنسي في أنتروبولوجيته البنيوية يشير إلى أنه لا مجال للحديث -في أدبيات الفكر الأنتروبولوجي- عن أفضلية ثقافة عن أخرى، لذلك فحسبي أن أصف ما ألاحظه وأنقله للقارئ فقط لتقريبه من الصورة، وأجري على هذا المتعة التي أحسها وأنا أكتب هذا المقال. لذلك فإذا كان التنوع الثقافي هو خاصية المجتمعات كم يقول “مايكل كاريذريس” في كتابه “لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة”، فلنسجل أن ثقافة زاكورة مطبوعة بما ذكرت من خصائص، وغيرها كثيرة.

بني زولي في 14\05\2013