رجل التعليم بالمغرب بين تمثلات العامة ومطرقة الواقع

فريق التحرير

بقلم جواد البلدي
ماذا يفعل المعلم أو الأستاذ؟ هل يقوم بمجهود مظني أو متعب ؟ هو دائما في زي أنيق ومتعطرا بأجمل الروائح والعطور، ولا يشتغل إلا نصف نهار في اليوم، ويوم الأحد لا يشتغل، وعدد أيام العطل عنده أكثر من أي موظف آخر، وفي نهاية كل شهر يستخلص المانضة من المخزن حتى وإن لم يشتغل، المهم “حشا رجلو في المخزن”،…هذا بعض ما يقال في حق رجل التعليم وغيره كثير، عبارات تنزل على أذن رجل التعليم كالصاعقة تحرق قلبه، وخصوصا عندما يسمع عبارة : ماذا يفعل رجل التعليم؟… أحقا لا يقوم هذا الكائن بأي شيء؟ أحقا يتقاضى أجرا من الدولة دون القيام بأي عمل؟ أليس هو ذلك الشخص الذي قيل في حقه “كاد أن يكون رسولا” ؟ أليس المعلم أوالأستاذ هو ذلك الذي يسهر مع تحضير دروس الغد إلى الساعة الواحدة أو الثانية ليلا في الوقت الذي يكون فيه ذلك الذي يتهمه بعدم فعل أي شيء متلذذا ومستغرقا في نومه العميق؟ أليس الأستاذ هو ذلك الذي يخرج من الفصل منهكا لا يريد إلا النوم دون أن يكلمه أحد من شدة التعب؟ هل جرب هؤلاء المتحاملين التعب الذهني حتى يحكموا على المدرس بهذا الحكم؟ أليس الأستاذ هو الذي يصنع الإنسان ويربي الأجيال للمستقبل؟ ألم يدرس الشرطي والدركي والمهندس والميكانيكي والسائق والقاضي والرئيس والوالي والوزير والملك على يد الأستاذ؟ هل حقا يتقاضى الأستاذ المبتدئ أجر مليون سنتيم كما يقال في الشارع؟ أليست مهنة التعليم (إن اعتبرناها مهنة) من أولى المهن المحتقرة في المغرب من جميع الجوانب والتي لا تعطى لها أهمية حتى من طرف الدولة مقارنة مع باقي القطاعات الأخرى؟ فلماذا هذا التحامل إذن ؟
لكن بالمقابل من هذا هل فعلا يقوم الأستاذ بالمسؤوليات المنوطة به ؟ ألم يتراجع دور المدرس عما كان عليه الأمر من قبل؟ أليس الأستاذ حقا هو ذلك الشخص الذي يأتي متأخرا إلى القسم عن الوقت القانوني بعشرين دقيقة أو نصف ساعة ؟ أليس هو من يأتي إلى القسم ويجلس على الكرسي في مكتبه بعد أن يكلف التلاميذ بالاشتغال على تمرين ما أو إنجاز شيئ معين منتظرا دق الجرس ليذهب إلى قاعة الأساتذة ليشرب الشاي ويتحدث مع نظرائه في مشاريعهم الخارجية متناسين أن وقت الاستراحة انتهى، وأن التلاميذ ينتظرون أمام القاعات؟ هل حقا يقوم المدرس حاليا بإذكاء الوعي لدى المتعلم وتنمية قدراته على التفكير البناء والنقدي؟ هل صحيح أن الأستاذ يقوم الآن بدور المعلم والمربي والموجه والأب إن اقتضى الأمر؟ هل انتهاك حقوق رجل التعليم من طرف الدولة معناه أنه عليه أن يتعامل بمنطق اللامبالي و(غير المتسوق)؟ أليس من واجبه أن يقوم بالواجب على أكمل وجه وأن يلتزم بمسؤولياته تجاه ذاته وضميره أولا قبل أن يلتزم بها تجاه القانون؟
لست أتحامل على أحد ولا أتهم أي كان – وإن كان هذا ما ألاحظه ولاحظته – لكن حسبي هنا من وراء هذه التساؤلات أن نعيد النظر في سلوكياتنا، وأن نطرح نفس الأسئلة على ذواتنا قصد تصحيح المسار صوب الإتجاه الصحيح . إذ أن تمثلات الشعب هذه ليست بريئة إن تأملناها من بعض الجوانب ، فهي وإن كانت خاطئة أو تنطوي على حقد أو كراهية، وربما حسد لرجل التعليم على وضعه – وهذا الطرح كان بتزكية سياسة الدولة منذ خطاب الحسن الثاني بعد أحداث مراكش في السبعينات- فهي من جانب آخر تنطوي على شيئ من الصحة لإعتبار أن سلوكيات وممارسات هذا الأخير لا تخرج عن المعيش اليومي الذي يتمظهر داخل المجال الإجتماعي والعام المشترك بين الجميع حيث تكون هنا كل ممارساته محط ملاحظة واهتمام الآخرين، والذي يحاولون من خلاله تصنيف الآخر ضمن مجالات تمثلاتهم هم، مع مصاحبة هذه التمثلات بالأحكام المسبقة.