الواجب قبل الحق

فريق التحرير

بقلم جواد البلدي
كثيرا ما ننادي بالحق ونرفع هذا الشعار ملوحين به في المظاهرات تارة ، وفي احتجاجاتنا أمام البرلمان تارة أخرى ، أو عندما نرى أن حقنا هذا ينتهك من طرف شخص آخر في إدارة ما أو الشارع أو في أي مكان، لذلك نطالب بحقنا في التعبير وحقنا في المعتقد والحق في الحصول على الشغل والحق في التعليم أو في متابعة الدراسة في التعليم العالي مثلا ، أو الحق في العيش الكريم والتمتع بكل الحقوق كمواطنين (هذا إذا كان مفهوم المواطنة حاضرا ومتجسدا في ثقافتنا طبعا ) وغيرها من الحقوق التي لا نريد التنازل عنها سواء كانت حقوقا طبيعية – التي ولدت مع الإنسان بالفطرة – كالحق في العيش وفي النوم، وفي التناسل أو التزاوج… وباقي الحقوق الأخرى ، أو كانت حقوقا مدنية كتلك التي يضمنها الدستور (أو القانون بالمعنى التعاقدي ) والتي ذكرتها من قبل مثل حق التجول والتمدرس والتعبير… لكن من منا يقوم بالواجب قبل أن يطالب بالحق؟ من يقول مع ذاته واجبي حق للآخر، وإن لم أقم به سيضيع حق هذا الآخر؟ من يلتزم (دون إكراه) بالواجبات قبل المطالبة بالحق؟ من يحترم الصف عندما يذهب إلى إدارة ما ليقضي أحد أغراضه؟ من يحترم الذين سبقوه أثناء انتظار الحافلة أو سيارة الأجرة ؟ من الذي لا يخترق طابور المنتظرين استشارة الطبيب ولا يتقدم أمامهم ؟ من الذي لا يقضي مصلحته بعشرون درهما أو أكثر إن اقتضى الأمر في بعض الأحوال، ويقول لنفسه معاتبا أو لائما: كيف سولت لي نفسي القيام بهذا السلوك المشين، ثم يرتدع ولا ينتهك حقوق الآخرين؟ من الذي يقول مع نفسه ويخاطب ضميره ” الواجب واجب وحق للآخر، إن لم أقم به سيضيع حق هذا الآخر وسيضيع حتى حقي أنا لأن القدرة التي أمتلكها للقيام بالفعل يمتلكها الآخر كذلك” ؟ من يعرف أن ايمانويل كانط شرع في كتابه ” نقد العقل العملي” ما يجب أن يكون ، ونادى بالقيام بالواجب لا لشيء فقط لأنه واجب يجب القيام به دون النظر في ما يترتب عنه من نتائج، حتى وإن كانت سلبية؟ من يحترم القانون ويلتزم به مع نفسه؟ من مِنَ المدرسين يقوم بواجبه المهني والأخلاقي والقانوني على أكمل وجه دون النظر في نتائجه؟ من مِنَ الأطباء يلتزم بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه دون خوف من رقابة السلطة الأعلى منه؟ من مِنَ الموظفين أو الإداريين أو رؤساء المصالح الإدارية أو المكلفين بمَهمَّة ما أو الوزراء يحتكم لضميره في أدائه لواجباته ومسؤولياته ؟ من يحاسب نفسه كل ليلة على خطإ ارتكبه بالنهار أو حق انتهكه أو واجب قصَّر فيه؟ حتى بالمعنى الديني، أقصد الإسلام، من يعمل بقول عمر بن الخطاب (أمير المؤمنين) “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا” ؟ من يستجيب لأوامر الله ويجتنب نواهيه؟ ألم يقل الخالق سبحانه في كتابه أن كل حق مشروط بتنفيذ الواجبات أولا؟ ألم يقل مثلا ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” و”حتى” تفيد الشرط ، ألم يؤكد على أن الفوز بالجنة (كحق من حقوق اليوم الآخِر) مشروط باتباع الطريق المستقيم في الحياة الدنيا ؟ وقانونيا ألا نواجه في ولاية الأمن عندما نريد أن نحصل على حق الحصول على البطاقة الوطنية مثلا (وهو الحق الوحيد الذي يستفيد منه المواطن المغربي دون تضييق مقارنة بالحقوق الأخرى) بلغة الأمر من الشرطي : عليك إحضار عدد من عقود الازدياد ونسخة كاملة وشهادة السكنى و… وهذه كلها واجبات تأتي قبل الحق؟ ألم… ؟ ألم…؟… لنسجل إذن أن التمتع بالحق –وكل حق- رهين بالالتزام بالواجب، وبالضرورة، وأقول الالتزام وليس الإكراه لأن الثاني قهري إلزامي جبري خارج عن الإرادة، في حين أن الأول يعبر عن الاقتناع الباطني وعن الطابع الأخلاقي (الذي نفتقده نحن) وهذا لن يتحقق إلا بالفكر، فلنحيي هذا الفكر، بالعلم والقراءة لا بمشاهدة دوزيم أو الأولى أو بحضور سهرات موازين أو سهرات الشوارع، بل فلنصادق الكتاب، وللحديث بقية…