نظام الفوضى

فريق التحرير

عجبا النظام هو أيضا فوضى، أو كما يقال لكل شيء نظامه، فلماذا لا يكون للفوضى نظامها أي أن ينتظم النظام في الفوضى، فما دامت الفوضى تقوم على مكانزمات تجعل منها نمطا للحياة أو بالأحرى للتنظيم، ربما أن الفكرة للوهلة الأولى تبدو صعبة التقبل، إنما دعونا نتساءل عن جدوى التنظيم ؟ لربما ينصرف هذا الفهم إلى كل ما من شأنه الضبط ..توجيه مجموعة من الأليات لتحقيق هدف معين بغض النظر عن مجال عمل هاته الأليات سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا…فمثلا الفنان الذي يرسم لوحة قد يمزج ألوانا بشكل عفوي ومع ذلك يحصل على لوحة تستهوي العديد، لماذا ؟؟ لأن هؤلاء يجدون في لوحته ما يعبر عن نمط معين للنظام ولو عن طريق الفوضى، كما أن البهلواني الذي يقوم بحركات بهلوانية بطريقة عفوية يستطيع إضحاك الأخرين لأنهم يجدون انسجاما بين حركاته التي هي في حقيقتها لا تعدو أن تكون فوضى… إذن إذا كانت هاته أمثلة توضح بالملموس أن للفوضى نظامها فإنه تبعا لذلك لا يصح التمييز والفصل بين الفوضى والنظام وإنما هما متداخلان يعملان على تحقيق أهداف معينة من خلال آليات متابينة بما يحقق في أخير المطاف نتيجة منسجمة، منتظمة، تجعلنا نحس بشعور النظام.
أخذا بعين الاعتبار الفهم السالف الذكر الملاحظ أن المفاهيم كما هي سائدة لدى العامة لا تعبر عن المعنى الحقيقي المراد منها بشكل مضبوط، وعليه للتنظيم ينبغي بالضرورة استحضار النتائج المتوقعة منه، بحيث متى كانت هاته النتائج لا تحقق الهدف منه يستحسن اعتماد اللانظام كبديل الذي قد يحقق النتائج المتوخاة، صحيح أن هذا الأمر أيضا فيه مخاطرة إنما علة ترجيحه منطلقها كونه أقل تكلفة بالنسبة للأول، وما دامت الغاية تبرر الوسيلة – ليس بالمفهوم المكيافيلي وإنما متى كانت لاتأتي على حساب غايات أخرى أقل منها قيمة – جاز اعتماد الفوضى في شتى مناحي الحياة لكن بالقدر الذي يسمح بالتحكم فيها بما يحقق الأهداف المبتغاة مع الأخذ بعين الاعتبار السياق الواردة فيه حتى لا يتم السقوط في نتائج عكسية تحول الفوضى عن مجراها كنظام إلى أداة مدمرة له، هكذا يمكن التأكيد على أن الفوضى فن من ضمن فنون النظام وليس نقيض له متى استعملت بطريقة محدودة ومضبوطة في سياق كل مجال على حدة وفي علاقته بباقي المجالات الأخرى، فمثلا اعتماد البهلوانية في مجال السياسة قد تكون له نتائج عكسية لا تنسجم والدور المنوط بالسياسي والنتائج المنتظرة منه،وعليه فإن الفوضى فن منظم يحتاج إلى حيطة وحذر حتى لا يفرغ من محتواه الفعلي الذي ينبغي أن يكون عليه.
على هذا الأساس، يحق لنا التساؤل عن مدى اعتماد الفوضى- بالفهم السالف – كمنطلق للتنظيم في الأنظمة السياسية المختلفة؟ الواضح أن هذا الطرح يتحقق بدرجة متفاوتة بين الأنظمة السائدة، فهناك أنظمة لا تتوارى عن المجازفة بالابتعاد عن فكرة التنظيم والضبط معتمدة الفوضى كمنطلق أساسي لإدارة شؤنها والنتيجة الحتمية – كما أسلفنا – هي تحقق نتائج عكسية مناقضة للأهداف التي من المفروض هي المتوخاة، وهناك أنظمة شديدة الحرص على إعمال فكرة الضبط والتنظيم والنتيجة الحتمية وإن تأخرت هي حصول نتائج عكسية أيضا عملا بالفكرة القائلة “الضغط يولد الإنفجار”، وتوجد أنظمة تعتمد الفوضى بطريقة محدودة – وفقا لما سطرناه أعلاه – بما يسمح بالضبط وعدم السقوط في الاحتقان وبالتالي الإنفجاروهذه الأنظمة هي التي تستطيع أن تستمر لأمد طويل وليس أبدي،والسؤال الذي يلوح في الأفق هو: ما موقع نظامنا من هذه الأنماط؟؟