الشّــــــــــارد..

فريق التحرير

عبد الهادي الحوثة

في زحمة كبيرة يمشي غير أبه بما يدور حوله..يرسم له صورا تختلف عما يراه ..يصنع له عالما ليس كعالم الإنس أو الجن..هو عالم خيالي تتحقق فيه كل الأماني والمعاني..عالم يلقي بالضجيج والضوضاء خلفه..يكاد يحقق فيه الصورة المثلى لحياته اللامادية التي تأبى الشروط..يحصل على كل ما أراد دون أن ينتظر..لا يستأذن أحدا ولو ضميره إذ لا رقابة عليه فيما يقدم عليه..عالمه ليس فيه المستحيل والممكن..ليس فيه المحظور والمباح..لا حدود فيه ولا قيود..مساحته لا متناهية..لا تمتلئ باستعمالها..المساحة التي يعمل فيها هي متاحة لأشباهه..مشاعة بينهم لايستأثر فيها أحد منهم بامتلاكها..تلتقي حياته مع أقرانه في حرية ولوجها..تختلف عنهم في المراد منها..كل منهم يصنع له عالما بمقاسه الخاص دون أن يمنع أقرانه من فعل نفس الشيئ..هكذا لا صراع يعيشه..لاقلق يعانيه..يحقق الحرية بمفهومها المطلق..يحقق السعادة بفهومها
المزيّف..يحقق الخلاص بعدم المجابهة..يضيف عالما ثالثا إلى عالمي الدنيا والآخرة هو عالم اللحظات العابرة.
انتشر الصراخ حوله..أغلق باب عالمه اللامادي، وعاد إلى عالمه المادي..نغص عليه هؤلاء الماديون رحلته..مقتهم كثيرا..يتصارعون لأجل التفاهات..يلوثون جوه بصراخهم الحاد..لايريدونه أن ينفصل عنهم..لا يسعدهم رأيته هادئ المزاج..لا يطيقون عالما بدون صراخ..تساءل مع نفسه ما بال هؤلاء؟!!..لماذا يصرخون كالكلاب!!..لماذا لا يعيشون عالمه أيضا!!..بعيدا عن هذا الضوضاء..الصراع..الخديعة..تأمل قليلا..أماط لثام الخيال عن عقله..فصل بين عالمه الأصلي(العالم المادي) وعالمه المصطنع(العالم اللامادي)..فكر أنه يحتاج إلى ما يسدّ به رمقه..مدّ يده إلى جيبه..أدرك أن لا نقد عنده..سأل صاحب مطعم إلى جانبه أن يقتل جوعه..لم يجيبه مهمهما، جسدك مثل بغل تطلب المساعدة..يا له من زمن الذل والإتكالية..الكل أصبح متسول..أنصت إلى همهماته محاولا فهم ما يقوله..أدرك أنه يستنكر سلوكه..ضرب على رأسه المتسخ ضربتان..بدأ يفهم بعض الأمور..يجيب عن الأسئلة التي راوضته..لما الضجيج؟..لما الصراع؟..أدرك أن سبب هذا كله المادة..أدرك الفرق بين المادي واللامادي..فكر أن يعود إلى عالمه الأصلي (المادي) بالمرّة..لكن هيهات ثم هيهات أن يتم له ذلك..وهنت قواه..ضاعت عزيمته..بات يفضل عالمه الذي لا صراع ولا صراخ فيه..ينتشي به..يحس أن البعض يحسده في ذلك…
غطّى الظلام الجو..انصرف الكل إلى منزله..بقي محيطه بدون ضوضاء..بدون صراع..ازداد الأوكسيجين مئات الأضعاف..اتسعت المساحة كثيرا حوله..استنشق الهواء بحرية..أفرغ ذهنه من الضجيج..توجه نحو مطبخه المعتاد(القمامة)..أكل ما تبقى وراء أولئك الماديون..حمد الله كثيرا لأنه لم يبذل مجهودا في الحصول على قوته اليومي..قام بجولتين في محيطه الهادئ..انصرف إلى كرتونه ليأخذ قسطا من الراحة..نام بلا عودة تاركا وراءه الجو مليئا بالصراع..الصراخ….!!!!

تعليقات