الجـــــــزيــــــــــرة المـــــهـــــــــــجــــــورة

فريق التحرير

 

   في جانب ما من الدّنيا توجد جزيرة. قد تكون كبيرة أو صغيرة… كل ما يعرف عنها أنّها مهجورة. فيها كلّ شيء على تركيبته الأولى التي لم يمسّها مخلوق آدمي، ولم يغيّر من جماليتها، أشجارها خضراء لا غبار عليها تنبئ بسعادتها التي لا تضاهى، فيها العصافير تغنّي ألوان التفاؤل و الفراشات ترسم ضدّ الكون أسئلة التجاهل، لا تفكير ولا حيرة هناك طالما الكائن الأدمي غائب عن تركيبتها، لا تطوير ولا تغيير يطالها، لا زالت كما  كانت منذ أن قطع حبلها السّري، بريئة، هادئة، جميلة. تردّد أناشيد الغد المشرق مستلهمة موهبتها من لوحة الطبيعة التي تكسوها، طبيعتها لا نظام فيها ولا تنظيم لكنها موسومة بالتناسق اللاّنظامي الذي يجعلها في أبهى الصوّر مشكّلة بذلك عروس العرائس.

   هاته هي المواصفات التي أعطيت لها، لا أحد فهم سرّها!! لا أحد أفلت من سحرها… كلّ من زارها بقي مشدوها لتركيبتها التي أخذت من الهدوء و الرّوعة والتّفاؤل الذّي تطبعه على محيّا زوّارها. صحيح أنّها لا تزار إلا لماما ومع ذلك فهي لا تبخل على زوّارها بابتسامتها العريضة وصدرها الرّحب، تغدق عليهم بالسّعادة، تقتل الحزن العميق الذي سكنهم منذ غابر الأزمان، تفتح أبواب الأمل والحياة الهادئة في وجوههم العابسة من كثرة التّفكير، تخيط الثّوب الممزّق الذي يلبسونه بأشعّتها الدّافئة وجوّها الرّبيعي عبر كل الفصول، فهي لا تعرف تعدّد الفصول كباقي بقاع الأرض، ربيعيّة، دافئة… تنثر دفئها في الهواء الملطّف بنسيم الأزهار السّاحرة الذي تتّسع له الصّدور ولا تتوانى عن أخذ كميات احتياطية منه تستغلّها بعد العودة من الزّيارة. طيّبة، كريمة، لا تبخل على أحد بسحرها الباهر، لا تأخذ مقابل عن ذلك وإن كانت تلتمس في صمت الإحساس بطيبوبتها غير المشروطة فقط، تعيش على إيقاع الأمل في الاعتراف لها بالجميل، لا تحبّ أن تكون مجرّد منتزه لمن أراد التنزّه، تأسى على الطّبيعة الاستغلالية للزوّار الذين لا يكترثون للاستنزاف الذي يطال مواردها الثّمينة، النّادرة… شغوفة بالجديد الذي يطالها من حيث طبيعة الزوّار وتصرّفاتهم التي تريد لها أن تتغيّر نحو تكريس ثقافة المحافظة على كل ما هو جميل لا تدميره. يوما بعد يوم تفقد بريقها وجاذبيتها التي تعتبر سرّ زيارتها، تموت أحلامها ببطء في استقطاب أناس أنقياء في سلوكاتهم يستحقّون الاستمتاع بجماليتها، فهي وإن كانت تتطلّع إلى غد أفضل، فإن هذا الغد سرعان ما يصبح حاضرا يكرّر لها نفس الإحساس وإن اختلفت الأحداث، هكذا حياتها أمل ممزوج بخيبة في تحقّق التطلّعات التي تجعل من هدوئها حركية مفضية إلى الحفاظ على جاذبيتها الخارقة.

   في المساء يعمّ الفضاء السواد، وتختلي الجزيرة بنفسها لتعيد شريط يومها من جديد، تقرأ  كل صغيرة وكبيرة قراءة الفيلسوف، المفكّر… تضع كل تصرّف للزوّار في مكانه متلمّسة ملامح التغيّر الممكن والمأمول، تتوصّل إلى نتائج مريحة أو على الأقل تعتقد ذلك، تسترخي لقتل عياء جسدها المنهك، تتنفّس بحرية هواءها الممزوج بعبير الأزهار البريئة التي تغطّي ظهرها، تنتصر للفراغ لما يوفّره لها من خلاص من الضّجيج البشري، تتماهى مكوّناتها في بوثقة مشكّلة وحدة منسجمة لا يخترقها التشاؤم إلا من حيث الرّغبة في تسريع الزمن للحصول على المأمول الذي يرضي خاطرها و يكسّر قلقها من المستقبل، تتفتّح خلايا دماغها سارحة في عوالم التفكير المؤدّية لأسئلة وجودية محرجة تشكّك في سرّ الوجود ذاته، تصرف بالها عن مثل تلك الأسئلة التي تعكّر عليها صفو نومها، تقنع كلّ أجزائها من عصافير وفراشات ومختلف الحيوانات الأليفة منها والمفترسة بضرورة أخذ قسط من الرّاحة لملاقاة الغد ومشاهدة أشياء جديدة قد تكون مفتاح العديد من الألغاز التي تشغل بالها، تحكي لها الرّوايات التّراثية الحماسية باعثة فيها الأمل الذي يساعدها على النّهوض مبكرا لاستقبال الزّوار الجدد بطريقة مرضية، تنصهر هاته الأجزاء فيما بينها مشكّلة الوحدة الهادئة، الصافية، المندمجة، مغرقة في صمت نادر مؤشر على غياب وعيها وحضور لا وعيها بما يكسّر كلّ القيود التي يفرضها العقل في سبيل إفراغ النّفس من العقد التي تكونت نتيجة صخب أولئك الزوّار المشاكسون، تمر في رحلتها اللّيلية عبر العديد من المحطّات التي تشكّل موروث حياتها محقّقة توازنا بين الانسجام واللاّ نسجام النّاتجين عن الأمل الدّائم والانتكاسات التي تكسّره. بعد مرحلة الاسترخاء والإفراغ هاته تتحرّك أجزاؤها مع شروق شمس اليوم التالي، فاتحة أبوابها للزوّار الجدد منمّقة، جميلة، في أبهى حلّة، علّها تظفر بما يجعل من أحلامها المستمرّة في الزّمن حقيقة تضع حدّا لمعاناتها بين ألم الحاضر والشّوق إلى المستقبل المشرق. الغريب في هذا كلّه ورغم جمالية هذه الجزيرة التي تفوق كل التوقعات فهي مهجورة لا أحد يقطنها ويستقرّ عليها باستثناء الزّيارات التي تتمّ لها بما يهدّد بقتل جاذبيتها و إذبال خضرتها مع مرور الزّمن، فما سرّ هذا الهجر؟ !!!