المـــــوت الأسـْــــــــــــــــــــود

سمية الحجيوج

   تعودنا أن نرى الفتيات الصغيرات وهن يلعبن ويضحكن بسذاجة من لم يختبر هموم الحياة ,بقهقهات عالية تصل أصداؤها حدود السماء,وبخطوات خفيفة يمشين مثل الغزال البري الذي لا يمنعه شيء من الركض في جميع الاتجاهات,يتعاملن ببراءة الاطفال الصغار مع الامور الدنيوية وكأن الحياة بسيطة جدا,أو ربما لا يردن تعيكر صفو صفحة حياتهن المليئة بالفرح والسعادة,وعندما يغضبن يحاولن تجاهل الأمر والبحث عن الفرح وكأنها لحظات يسرقنها من الزمن خوفا من مروره السريع دون أن ينتبهن إليه في زحمة التطور والتسارع الاجتماعي والاقتصادي …التي تسرق منهن طفولتهن دون أن يحسوا بها او يتذوقن طعمها,وبعد ذلك نجدهن يتحسرن ويأسفن على طفولة ضاعت منهن وبدون إرادتهن,لم يفهمن بعد ما حدث لهن سوى أنهم كبرن بين عشية وضحاها ,ثم تصير حياتهن ندم وجحيم يغذيه ما تعاني منه الاوساط الاجتماعية الفقيرة التي تحاول ما أمكن الاستثمار في فلذات أكبادهن ,فالفتاة في الوسط القروي ينظر إليها أنها مشروع رابح في بيت والديها.

  لكن هذا المشروع الرابح كما يسونه يحتاج إلى إلى رأسمال كبير تكون خزينته خلاصة وعصارة تجربة الوالدين في هذه الحياة, وما تعلماه من الطفولة إلى الشيخوخة,في هذه الحالة فقط يمكننا الحديث عن التربية الحسنة من طرف الآباء من خلال ما تم تلقينه إلى فتياتهن,لكن هذا مالا يحصل عندنا,فالتكلم مع الفتاة في الأمور الخاصة بها في الحياة يعتبر من الطابوهات ومن قلة الأدب,وما على الفتاة إلا أن تتعلم وحدها وتتحمل مسؤوليتها وحدها دون أن تكون لها تجربة أو من ترجع إليه في محنتها وحيرتها.فقلة الحيلة تجعل الفتيات يتخذن مواقف متهورة وقرارات متسرعة يكون ثمنها حياة هؤلاء في غالب الأحيان.وهذا ما حصل ويحصل في منطقة مرنيسة التي عرفت وتعرف ارتفاع نسبة الانتحار في وسط الفتيات المتمدرسات مما يطرح أكثر من سؤال,فهل الأمر يتعلق بالمدرسة كما تبين من خلال الحدث الذي اهتزت له المنطقة أم أن هناك أسباب أخرى خفية تكون هي الدافع الأساسي وراء عمليات الانتحار التي عرفتها المنطقة خلال هذه السنة؟
من خلال آخر عملية انتحار عرفتها المنطقة والتي ذهبت ضحيتها فتاة كانت تدرس بالسنة أولى بكالوريا بعدما تم منعها من اجتياز إحدى المواد الممتحنة فيها بسبب تأخرها عن الوقت المحدد بخمس دقائق (حسب الروايات), بالله علينا هل نحن المغاربة بالفعل نقدر الوقت ونقدسه لهذه الدرجة؟لو كنا بالفعل نقدر قيمة خمس دقائق لما كنا ركبنا قطار التخلف منذ عقود.نعم الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك,لكن أين تكون إدارة المؤسسة عندما يتغيب التلميذ لساعات وأيام ومع ذلك تسمح له بالدخول دون عقوبة زجرية أو حتى استفسار ثم يأتي يوم الامتحان ونحاسب التلميذ على الوقت وقد تعود طيلة السنة على إهماله ونعطيه عقوبة زجرية ,هنا نتساءل عن كيف ستكون ردة فعل التلميذ؟في هذه الحالة فإن التلميذ سيكون له ردتين فعليتين لا ثالث لهما ,إما أن يقسو على نفسه كما فعلت هاته التلميذة أو يقسو على الأطر التربوية العاملة بالمؤسسة .
أما عمليات الانتحار الأخرى بالرغم من أنها وقعت في وسط التلميذات إلا أن أسبابها تبقى مجهولة ربما يكون لها ارتباط بالمشاكل الأسرية وربما أسباب عاطفية خصوصا وأن الفتيات في هذه المرحلة يمرن بمرحلة صعبة وهي مرحلة المراهقة بحيث لا يميزن بين الصحيح والخطأ.لكن كيفما كانت نوعية هاته الأسباب فالنتيجة تكون واحدة وهي الموت.وهنا تطرح أكبر مشكلة وهي البحث عن الحلول الملائمة لمواجهة هذه الظاهرة التي استفحلت بشكل كبير في المنطقة.لكن في نظري يبقى الحل الناجع هو أسلوب الحوار والتحاور سواء داخل الوسط الأسري أو مع الأطر التربوية.