بين غيتة وأمينة مسافة الإنسانية

يوسف بخوتة

 وأنا في عملي اليوم نتداول أطراف الحديث، فجّرنا الى الحديث عن تلميذة مرنيسية. نجيبة ومجدة. هنا في هذه المدينة الصغيرة في الجنوب الفرنسيcavaillon. هي مرنيسية الأصل والفصل.. درست في المدرسة هناكإلى جانب زميلاتها.  المرحلة الأبتدائية والإعدادية، وحطت هنا  بالتجمع العائلي وأسرتها مع أبيها العامل، المهاجر منذ  زمان بهذه الديار. حين كانت لم تتجاوز السن القانونيللدخول التراب الفرنسي، و تركت أخواين لها هناك، بعدما فاتهما قطار العبور إلى هذه البقعة من الأرض. جاءت هنا وأكملت دراستها عادية متفوقة في مستواها الدراسي. إذ لم يؤخروها فصلا، كما هو معمول به حين يأتي تلميذ مغربي كان يتابع دراسته بالبلد الأم. إذ تعاد إلى الفصل الذي يسبق مستواها الدراسي. لكن هذه تابعت دراستها تكميلا لما كانت عليه في المغرب، نظرا لتفوقها. فتابعت دراستها ووفقت هذا العام في اجتياز امتحان الباكالوريا هنا. بمعدل محترم جدا وفي شعبة محترمة أيضا.

  لكن ليس المهم هذه التفاصيل المملة. لكن أود أن أقارن ولو بسداجة بين هذه التلميذة، التي تدعي أمينة إستعارة -لأني أكتب المقال بدون استشارتها- وتلك التلميذة غيتة التي انتحرت مؤخرا بسبب الإمتحان. ومؤكدا مجددا، أني لا أتهم أحد بالوقوف وراء موتها.

  أمنة هنا،  فتاة ضعيفة، نحيلة، ذات شخصية مرهفة، ونفسية هشة. تتابع دراستها مع زميلاتها عادية، لا تهتم إلا بكتبها وأوراقها العديدة. يقول لي أحد مقربيها. كانت تعاني من الضغط النفسي أثناء التحضير لها للإمتحان. وكانت لها مادة تعاني نقص فيها نظرا لتغيب إحدى أستاذتها. فانتابها نوع من التخوف تجاه هذه المادة. مما سبب لها ضغط نفسي. كانت تنهار أحيانا من جراءه في المدرسة. مما أدى بالطاقم التربوي للمؤسسة، لتتبع حالتها النفسية. وتشجيعها على المواصلة والاجتهاد وأنها ستكون عند حسن الظّن. فكانوا  (الأطر التربوية) ينظمون زيارات مجتمعة، و منفردة إلى منزلها للتخفيف عنها، ودفعها إلى المثابرة والجهد قصد التهيء الأحسن للامتحان. فكانت عند حسن ظن الجميع. اجتازت الامتحان، وبنفسية عالية، فحصلت على معدل محترم مع الأوائل من زملائها. ولم تنهار أو يحدث لها شيء. بل واصلت متحدية اللغة، الزمن، والمكان. وكل الصعاب. بفعل مؤازتها من طرف أساتذتها وزملائها في الفصل.

  غيتة.. فتاة ضعيفة، نحيلة، ّات شخصية مرهفة ونفسية هشة. خارجة للتو من مرض ألّم بها. كانت تتابع دراستها بمركز طهر السوق. عاشت ما يعيشه الزملاءفي منطقتها. فمن البؤس نصيب. ومن الفقر وتكالب الزمن والمكان قدرا وافرا.  وأثناء التحضير للامتحان،ضغط، وتشنج، وتشتت في التركيز والتفكير. حتى تنسلخ الشخصية عن الجسد. قصدت يومها المشؤوم مؤسستها التعليمية قصدها لإجتياز مادتها الثانية من الإختبار. فوصلت متأخرة بدقائق حسب تصريحات زملائها وبــ 20 دقيقة،  حسب تصريحات الأطر التربوية. فطبق في حقها القانون. وماكان عليها إلا الإنتحار مفرا لها، ومنقذها من أزمتها النفسية الحادة، التي ألّمت بها في غفلة من ذويها المغلوب على أمرهم.

  غيتة لم تجد من يقف بجانبها كمثيلتها أمينة، التي ساعفها -الحظ- وأكملت دراستها هنا فيcavaillon . إذ لم تجد من يساعدها على تخطي لحظاتها الحادة. وعلى إستعادة شخصيتها الهاربة إلى حيت لا رجعة. غيتة لم تحتضن كما احتضنت الأطر التربوية أمينة هنا، غيتة لم يربث على كتفها كما كانت تفعل الأستاذات هنا، مع مثيلتها التي مرت كذلك من نفس المؤسسات التعليمية بالمنطقة هناك. كانت ستعامل أمينة هي الأخرى لو لم يساعفها -الحظ- وتهرب بجلدها. غيثة لم يقف بجانبها أحد. لم يراعي ظروفها أحد. نحن ليس مع خرق القانون. بل كان من المستحب لو تم الإحتفاظ بها داخل المؤسسة ريثما تهدأ، وينشرح صدرها المغموم من كثرة الهموم والظلم. بعد شرح وتفصيل لها كيفية الخروج من المأزق. ولو تخفيفا عنها. غيتة لم يدفعها أحد إلى الموت. بل دفعتها نفسيتها الهشة. تلك النفسية التي كانت تعاني منها أمينة أيضا. إلا انها وجدت من يربث على كتفها تشجيعا. سواء في المؤسسة، أوحتى في المنزل. بعكس غيتة التي ذهبت وحرقتها في داخلها. ولم تجد من مفر سوى حبل يأخد حياتها ووجودها الى غير رجعة.

  إنها مقارنة سخيفة حقا، وساذجة سذاجة كاتبها. لكن كان لزاما علي أن أكتبها وأفصلها احتراما لقدسية الحرف. إنها مسافة الإنسانية واحترام الآخر مهما كانت الظروف  والعرق. تلك هي التي تفصل بين غيتة وأمينة، إنها مسافة الإنسانية.

تعليقات