المجتمع الذي لا يرحم

سمية الحجيوج

   منطقة مرنيسة, منطقة معزولة, تعيش دائما على شبح الخوف المتربص بها من كل الجوانب, الخوف من الجفاف, الخوف من الأمطار, الخوف من المجاعة, الخوف من التهميش والنسيان, الخوف من المستقبل المجهول الذي يلفه الغموض, الخوف من الموت الذي يأتي متخفيا في عباءة سوداء ليخطف من يشاء, تاركا وراءه التفسيرات العلمية والتأويلات الشخصية تدور في حلقة مفرغة.

  منذ السنتين الأخيرتين لاحظنا ارتفاع نسبة الانتحار بين صفوف النساء والفتيات والفتيان. فلا تكاد تمر ثلاثة أشهر حتى نسمع عن حالة انتحار جديدة. كيف حدث الأمر؟ ولماذا حدث؟ دائما نحصل بسهولة على جواب السؤال الأول, لقد تم الأمر بشنق نفسها بواسطة حبل أو قطعة ثوب كانت تضعها فوق رأسها لتغطي بها على الأفكار السوداوية التي لا تريد لأحد أن يراها.  وفي تحليلنا لكل هذه الحالات التي انتحرت دائما نقف عند هذا الحد, لأننا وبكل صراحة عاجزين على الإجابة عن السؤال الثاني ’لماذا؟’.

  تبقى دائما الأسباب مجهولة. فأهالي الضحايا هم أول من يصيبهم الخرس, ثم يأتي بعدهم المجتمع المدني الذي يصبح أبكما, ربما لأنه تعود على مثل هذه المآسي الإنسانية, أو ربما يريد أن تحل هذه المعضلة من تلقاء نفسها دون تدخله والحديث في الأمر. إن المشكلة أخطر مما يتصور, إننا ننظر إلى الأمر من زاوية ضيقة, فالكل يظن أن الاضطرابات النفسية كانت وراء انتحار هذه الحالات, لكن من أين جاءت كل هذه الاضطرابات النفسية؟ أليست المشاكل الاجتماعية وراء كل هذه الاضطرابات؟

  لنتكلم بصراحة ونقول أن مجتمعنا تعشش فيه كل الأمراض الاجتماعية والنفسية ولا نريد أن نتكلم عنها ليس لأننا نجهلها بل لأننا نخاف منها, فنحن من أعطاها فرصة للانتشار بيننا بسكوتنا عنها لسنين طويلة حتى أصبحت جزءا من حياتنا اليومية, تعيش معنا بصفتها عادات وتقاليد يجب أن نحترمها ونقدسها وكأنها الدين الإسلامي نفسه, فلا أحد يستطيع أن يثور عليها أو يقول شيئا في حقها بالرغم من أن بعضها لا يصلح لمسايرة العصر وكانت السبب وراء تخلفنا. وهنا نتساءل عن من المسؤول عن ارتفاع نسبة الانتحار وسط النساء في المنطقة؟

  الجواب واضح للكل, والكل يتجاهله ويدعي وجود أسباب أخرى يجهلها.فالضغط والتخويف والترهيب الذي يمارس على المرأة داخل الأسرة, ومن طرف المجتمع أيضا يجعلها تفقد الثقة بنفسها وبالآخرين مما يؤدي إلى الارتباك في اتخاذ المواقف الصحيحة أثناء وقوعها في أبسط مشكل في حياتها, فكيف لشخص فقد الثقة بالآخر أن يذهب عنده ويفصح له عن مكنوناته؟ ربما الطرف الآخر سيتفهم الأمر, لكن من نشأ نشأة اجتماعية غير سوية تتلخص في الخوف وكتم كل الأسرار فإنه يفضل وضع حد لحياته على أن يواجه الأسرة المجتمع في موقف محرج, لأننا لا نأخذ الأمور ببساطة ونحلل المشكل كيفما كان نوعه, بل نحكم عليه من البداية أنه فضيحة ستمس بشرف الأسرة والعائلة بأكملها, لذلك فمجتمعنا يفضل الموت على أن يحل مشاكله بطريقة عقلانية تجنبه الوقوع في مثل هذه المآسي مستقبلا.

تعليقات