شعور يعتريني

فريق التحرير

  

 

كم هو صعب التعبير عن هذا الشعور؟ في كل مرة تقع عيناي على متسولة أو متسول، ومعه أطفال.. يستنجد بالمارة من أجل الحصول على درهم أو درهمين كأقصى تقدير، ينتابني هذا الشعور، هو انكسار، لا بل حزن شديد، لا بل تيه وضياع.. لا ولا ولا…هو شعور غريب. يزداد الأمر تعقيدا إذا كنت أنا المقصود، ويزداد تعقيدا أكثر إذا كان من يقصدني طفل أو طفلة في سن الورود، فلا أتوانى عن مساعدته، أمد له درهم أو درهمين مع علمي بأن مساهمتي لا تنفع في شيء، ثم أحس بذاك الإحساس…

  تتسارع دقات قلبي وينتابني حزن عميق لهول المنظر، فقط لأني أضع نفسي مكانهم. هناك المئات، بل الآلاف من المغاربة لا يحسون بمعاناة الآخرين، يظنون بأن هؤلاء الفقراء والمحرومين والمساكين من طينة أخرى، وهم العرق النقي، السادة، المحظوظون…كلا وكلا، لستم بمحظوظين ولستم بسادة فقط لأنكم ولأننا فانون….

  أحاول أن أدخل البهجة والفرحة على هؤلاء الفقراء و المحرومين و المساكين فأقول لهم، لن تستمر معاناتكم كثيرا، فهناك بعيدا بعيد في دار الحق واليقين ستجدون المساواة ستجدون الإنصاف… فينطق أحدهم، أليس من حقنا أن نعيش بكرامة؟ أين هي حقوقنا؟ أين هي المواثيق الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان؟ أين هو الدستور…؟

  ثم التفتَ نحو أمه المسكينة التي تئن وقال لها، حقوقنا يا أمي سلبها منا أولئك؟ فسألته من تقصد بأولئك؟ فأجابني بصوت غاضب ” مجرمي الياقات البيضاء ” ابتسمت ابتسامة حزينة لعلمي بأن من يخاطبني ليس بجاهل بل يدري ما يقول، وفجأة سألني سؤالا غريب، ما هو المصدر الأول للثروة في المغرب؟ فأجبته لقد قرأت مقالا في إحدى الجرائد جاء فيه بأن المصدر الأول للثروة في المغرب هو السياسة؟ فقال لي وكيف ذلك؟ فلم أجبه…

  بدأ ينظر لي، و ينتظر مني الإجابة، ثم قال لي، لا تستطيع إخباري أليس كذلك؟ ابتسمت وقلت له بلى؟ فقال لي، لن ألومك فحتى الصحافة اليوم والتي يفترض أنها سلطة رابعة، ولها الحرية الكاملة في التعبير من منطلق كونها محصنة بنصوص القانون. هي الأخرى في مرمى نيران ” مجرمي الياقات البيضاء” ولا أدل على ذلك سوى اعتقال رمز من رموز الصحافة، الذي يشهد له بالجرأة وبالأمانة في نقل المعلومة.

  ثم التفت نحوي وقال بنبرة من الحزن، ذاك الصحفي بطل، نعم إنه بطل، لطالما كتب عنا وكتب عن قضايانا، ولطالما كشف المستور ولطالما علم بأن هناك جهات كثيرة تنتظر المدخل لكي تكيف الأمور على مقاسها، وتوقع به في براثينها، ومع ذلك استمر في الكتابة عنا وكشف أولئك الفاسدين.

  فجأة ودون سابق إنذار دخل في النقاش متشرد كان بجانبنا يسترق السمع، وسأل الشاب الذي كان بجاني ما هو التكييف هل تعني به تدخين سيجارة مثلا؟ فأخذت الكلمة وأجبته، بأن التكييف هو عملية خطيرة ومفصلية بحيث أنه مجهود تحليلي وتفسيري يفضي إلى ربط الواقع بالقانون، فقال صديقي الذي كان يحادثني إذن قصة البطل كلها جاءت نتيجة تكييف؟ فهل يا ترى هذا التكييف قد صادف الصواب؟ ذاك هو السؤال.

الصورة من صفحة يوميات سراق الزيت على الفيس بوك