الحرية والمسؤولية

جواد البلدي

  كتب الفيلسوف الفرنسي “جون جاك روسو” في حديثه عن الحرية يقول “إن تخلي المرء عن حريته، هو تخل عن صفته كإنسان” وأجمع معظم فلاسفة عصر الأنوار مع فولتير ومونتيسكيو وديدرو ودلامبير وكانط … على أن ما يحقق للإنسان إنسانيته هو الحرية بمعناها الواسع والإيجابي، إذ لا يمكن لهذا الكائن العاقل الواعي أن يشعر بكرامته إلا عندما يكون حرا في التعبير عن رأيه والدفاع عن معتقداته والحرية في المطالبة بحقوقه، والمشاركة في الشؤون العامة الإجتماعية والسياسية بشكل مباشر أو عن طريق اختيار ممثلين ينوبون عنه، والحرية في التدين، وفي التحزب والانتماء والنقد النقاش والتواصل… ولعل المجتمع اليوناني كان سباقا لإرساء أسس ودعائم الحرية في القرن السادس قيل الميلاد، بعد الإصلاحات السياسية التي قام بها بيركليز بعدما استبدل نظام الملكية بالديمقراطية ، لذلك لا غرو إذا وجدنا المجتمع الأوربي في شخص فرنسا يعلن أن أول وأهم مبدأ قبل الإيخاء والمساواة هو الحرية ، فباسم الحرية استطاع الإنسان أن يؤسس لنفسه مجتمعا مدنيا، وينظم علاقاته في كافة المجالات ، ويرتقي بإنسانيته إلى مستوى الإنسان الذي لا يعبث بحريته هاته ولا يسيء استعمالها بشكل سلبي لأنه يعي أن علاقاته مع الآخرين محكومة بنسق من القوانين والضوابط التي تم سنها لهذا الغرض “التنظيم وقوننة العلاقات الإنسانية” الشيء الذي يحيل إلى أن هذه الحرية مشروطة بالمسؤولية، فالإنسان حر في اختياراته وقناعاته وصنع قراراته كما يزعم الوجوديون “سارتر، سيمون دو بوفوار، كيركيغارد، مارسِل …” لكنه مسؤول عن كل فعل أو سلوك يصدر عنه ، فالكائن الذي نفترض فيه أنه واع وعاقل ومدرك لذاته ولوجوده، ونقول عنه أنه حر، نقصد به ذاك الذي يحسن التصرف كما يقول كانط، أي هو تلك “الذات التي يمكن أن تنسب إليها مسؤولية أفعالها” كما أكد في مؤلفه “أسس ميتافيزيقا الأخلاق” إذ لو لم يكن حرا ويتصرف بإرادته التي تكون خيرة في كل الأحوال ، والتي تجعله ملتزما بأوامر العقل العملي الأخلاقية، لما حملناه مسؤولية أفعاله، ولما قلنا عنه أنه حر ومسؤول في نفس الوقت، لذلك لن نصل إلى مستوى الإنسان بمعنى الإنسانية إلا عندما ندرك أن حريتنا تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين وعندما نعي بأن حدود تصرفاتنا وأفعالنا نسبية ومشروطة باحترام حرية الأغيار الذين نشاركهم حياتنا الإجتماعية والعامة، إذ لو كنا سنتصرف وفق هوانا وإراداتنا بشكل مطلق لما انتقلنا من حالة الطبيعة كما افترض فلاسفة التعاقد الإجتماعي “هوبز، روسو، لوك، اسبينوزا” ولبقينا متوحشين شأن باقي العجماوات ، لكن والحال أن الإنسان كائن عاقل فالواجب يحتم عليه حسن استخدام هذا العقل كما قال ديكارت لأنه هو جوهره وملكة تفكيره، و بهذا الصدد نقرأ مع باسكال في خواطره “أن الفكر هو الذي يصنع عظمة الإنسان” مما يعني أن قوته لا تكمن لا في جسمه ولا في قوته ” فلا قوة إلا قوة الضمير، ولا مجد إلا مجد الذكاء” كما يقول فيكتور هيجو .
   كم هو جميل إذن أن نكون ، لكن سيكون جميل أكثر عندما نكون مسؤولين عن حريتنا ونراعي حقوق الآخرين من حولنا ونحترم فيهم إنسانيتهم التي تبتذل بشيء مهما كانت قيمته ، لذلك يجب علينا أن نتصرف دائما وأبدا وبشكل مطلق، وفي ذهننا السؤال التالي: هل سيتأذى الغير من سلوكي هذا ؟ وهل سيكون على حساب حريته ؟ وهل سأتحمل نتائج وتبعات فعلي أو تصرفي ؟ وبهذا سأكون حرا حقا ما دمت مسؤولا .

تعليقات