تركيا: من تصفير المشاكل إلى العزلة الإقليمية

سامي السلامي

تتأثر السياسات الخارجية في الدول، التي لا تشكل طرفا مباشرا في قضية ما، سلبا أو إيجابا وفق المواقف التي تتبناها، وها هي تركيا تعيش حاليا فشلا خارجيا ذريعا، بعدما كانت تخطط لقيادة الشرق الأوسط إبان ما سمي بالربيع العربي.

 إن السياسة الخارجية التركية في العقد الأخير أظهرت نوعا من الرزانة بتبنيها “سياسة تصفير المشاكل” مع محيطها وجيرانها، قبل أن تزيغ عن سكتها مع موجة الربيع العربي، لنجدها تفتح حدودها للجيش الحر والجهاديين للتوغل داخل سوريا مساعدة إياهم لوجستيكيا وحاضنة لمؤتمرات المعارضة السورية على أراضيها، بعدما كانت بالأمس القريب ترفض التدخل في الشؤون الداخلية لليمن والبحرين احتراما منها لسيادتهما على حد تعبيرها ! ما يدفعنا للتساؤل عن سبب هذه الازدواجية؟

 لقد أسست تركيا خياراتها الاستراتيجية في المنطقة حول “حركة الاخوان المسلمين الدولية” لوضع لبنة نظام إقليمي جديد ـ بالتعاون مع اللاعبين السنة الآخرين ـ تلعب فيه دور الريادة، لتجري الرياح عكس ما تشتهيه سفن أحمد داود أوغلو و رجب طيب أردوغان ، ويصمد النظام السوري بعد سنتين من حرب أهلية أبيد فيها مئات الآلاف من الأبرياء وهجر الملايين ما بين مشرد ولاجئ، و يسقط حكم الإخوان المسلمين في مصر بعد سنة واحدة عن طريق انقلاب عسكري قاده الفريق السيسي، ما عجل بنهاية الحلم التركي وبداية سنوات ضياعه وسط عزلة إقليمية.

 إن خطأ الحساب والتقدير في الملف السوري لدى صناع القرار بأنقرة، ليس سوى نتاج لنرجسية الانتصارات الانتخابية لرجب طيب أردوغان ( 2002 ـ 2007 ـ 2011) وسيطرته التامة على مقاليد الحكم بعد تصفية حسابات حزبه العالقة مع العسكر، مستمدا قوته من اقتصاد بلاده المتنامي ومستحضرا في أذهانه حلم الإمبراطورية العثمانية، وطامحا للإطاحة بالنظام البعثي السوري واستبداله بحكومة يسيطر عليها “الإخوان المسلمون”.

 الثابت أن تركيا دمرت فرصتها في لعب دور الريادة الإقليمية في الشرق الأوسط بتدخلها الغير مباشر في سوريا متناسية أنها لطالما تباهت بقدرتها على محاورة الجميع، ما ينعكس حاليا عليها من ثلاث نواحي:

1-            الناحية الداخلية:

 إن الصراع الحالي الدائرة رحاه بسوريا سيكون له انعكاس خطير على الأمن الداخلي التركي على المدى المتوسط، حيث تخشى أنقرة من تصاعد مشكل الأقليات، فالعشرين مليون من الطائفة العلوية بتركيا المتعاطفة مع نظام الأسد ستعمل لا محالة على الرفع من سقف مطالبها والنزول للشارع، كما أن الـ 15 مليون من الأكراد بتركيا لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يروا دولة كردية تلوح في الأفق في شمال سوريا، ما  يرجح فرضية التصعيد العسكري من طرف حزب العمال الكردستاني للمطالبة بقيام دولة كردستان المستقلة في جنوب شرق تركيا.

 أما على المدى البعيد، تركيا ليست بمنأى عن أثر الدومينو خصوصا وأن الجهاديين ألفوا أراضيها وهي التي لا طالما سهلت مرورهم إلى داخل التراب السوري، وفي حالة تقهقرهم أمام نظام الأسد لن يجدوا ملجأ إلا الداخل التركي.

2-            الناحية الجيو ـ سياسية:

أطلق على الدولة العثمانية في بداية القرن التاسع عشر لقب “رجل أوروبا المريض”، إذ لم يؤخر انهيارها آنذاك سوى خلافات الدول الكبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وروسيا القيصيرية) على كيفية تقسيمها، لكن العزلة الجيو ـ سياسية التي تعاني منها حاليا تجعلنا نقول أنها تحولت من رجل مريض إلى آخر معزول في الشرق الأوسط.

 لقد شكل سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر خسارة إستراتيجية كبيرة بفقدان حليف وعمق إستراتيجي إيديولوجي واقتصادي لتركيا، ما جعلها تقود حملة مضادة في وجه عسكر مصر ساعية لحث واشنطن على دعم الرئيس المخلوع محمد مرسي، وفي موازاة مع ذلك عرف العسكر دعما لا مشروطا من طرف السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، وفي خضم هذا التصادم في الملف المصري ما بين حلفاء المعارضة السورية، عزلت تركيا وخسرت  علاقاتها بالدول الخمس إضافة إلى مصر السيسي.

تواصل التصادم بين حلفاء المعارضة السورية، حيث تمكنت السعودية من الهيمنة على الائتلاف الوطني السوري، وإخراج الموالين لتركيا وقطر منه، وتقليص نفوذ  الإخوان المسلمين فيه لمصلحة الليبراليين والأكراد.

 العزلة التركية لم تقف عند هذا الحد،  فهي محاطة بخطر أربع قوى شيعية (إيران، سوريا، العراق وحزب الله في لبنان)  تسعى للإنتقام منها عن طريق تحريك الورقة الكردية في الجنوب التركي ودعمها لأسباب التالية:

إيران ترى في تركيا عدوا إقليميا: فقواعد الرادار المتطورة لحلف الناتو في المناطق الشرقية لتركيا، التي تشرف على إدارتها وتوجيهها القوات العسكرية الأميركية، تقوم بتزويد “إسرائيل” بمعلومات بالغة الحساسية حول النظم الصاروخية الإيرانية  والتي بواسطتها تستطيع الأولى تصويب نظم آرو للدفاعات الجوية ضد صواريخ “شهاب” الإيرانية.

العراق: علاقات بغداد مع أنقرة جد متوترة بعدما تعمدت الأخيرة التدخل في الشأن الداخلي العراقي وخصوصا دعمها للسنة في انتخابات 2009.

أما فيما يخص سوريا فنظام الأسد يسعى إلى الانتقام من تركيا لدعمها المعارضة السورية المسلحة، فيما لا يغدو موقف حزب الله من أنقرة سوى أن يكون تبعية لطهران.

كما أن وضع تركيا في أوروبا ليس أفضل حالا منه في الشرق الأوسط بعدما تعرضت لانتقادات لاذعة من طرف بريطانيا، ألمانيا وفرنسا بشأن قمعها للمتظاهرين في ميدان تقسيم ما أضعف مخططاتها مؤقتا بشأن انضمامها للاتحاد الأوروبي.

في ظل هذه العزلة التي تعاني منها تركيا لم يبقى لها سوى قطر، حركة حماس وإسرائيل، فالأولين بكل بساطة لتبنيهما المشروع الإخواني في المنطقة، أما تل أبيب فالمصالح الإقتصادية والإستراتيجية التي تربطها بأنقرة أكثر بكثير من الإشتباك اللغوي والرمزي الذي وقع بينهما بعد ملتقى دافوس الإقتصادي سنة 2010 وحادثة أسطول الحرية في نفس السنة، خصوصا إذا علمنا أن العملية التجارية بين البلدين لعام 2011 قدرت بـ 4 مليارات دولار.

3-            الناحية الاقتصادية:

 لقد امتدت خسارة تركيا في المنطقة إلى الشق الإقتصادي، حيث أن دعمها للمعارضة المسلحة في سوريا جعل الأخيرة تغلق أراضيها في وجه شاحنات التصدير التركية برا إلى دول الخليج، كما أن معارضتها للعسكر بمصر دفع الأخيرة إلى بدأ غلق موانئها في وجهها حيث كانت تستغلها حصريا في تصدير سلعها بحرا إلى دول الخليج بعد الأزمة السورية، هذا وستخسر تركيا الكثير إذا علمنا أن حجم المبادلات التجارية مع مصر  لسنة 2012 في صالحها إذ صدرت لها ما قيمته 3,9 مليار دولار بينما استوردت 0,3 مليار دولار.

لقد كان باستطاعة تركيا أن تستغل الفرصة التاريخية التي أتيحت لها لقيادة منطقة الشرق الأوسط إلى جانب إسرائيل، وذلك بنهجها سياسية النأي بالذات عن الصراعات الخارجية مع تبنيها المساعي الديبلوماسية لحل الأزمة السورية، إلا أن تسرع صناع قرارها وضعف حسابهم وتقديرهم أفضى في الأخير إلى فشل ذريع من الصعب جدا تداركه قريبا.

باحث في العلاقات الدولية

من موقع رأي اليوم

تعليقات

  1. أنا لا أتفق معك في هذا الطرح، كما أنني لا أرى أي تقهقر لهذه الدولة باعتباري إقتصاديا متابع لمأشرت النمو،ما العيب في التدخل في سوريا؟ وحدودها مهددة صباح مساء ، تركيا ستضل قوة قتصادية عضمى بعيدا عن المزايدات السياسية الضيقة، لا أدري لماذا لم تتحدث عن الدول الأخرى التي تبعد آلاف اأميال و مع ذلك تدخلت في الشأن الذي تسميه أنت سوري محض.