ماهي التنمية المستدامة؟

فريق التحرير

   ظهر مفهوم التنمية المستدامة في الوقت الذي انتشرت فيه الأحداث المسيئة للبيئة، وارتفاع درجة التلوث عالميا، بالإضافة إلى تعثر الكثير من السياسات التنموية المعمول بها في دول العالم الثالث، والتي أدت الى تفاقم المديونية الخارجية وتردي الإنتاجية، وخاصة في القطاع الصناعي. وكذلك توسع الفروقات الإجتماعية، وظهور الفقر والمجاعة والتهميش.

   في هذا السياق ظهرت التنمية المستدامة، لتؤكد أن ضمان استمرار الإنسان رهين باحترام المقومات البيئية التي يعيش فيها، ومراعاة قدرات الفئات الإجتماعية على تحمل التغيير والإستفادة منه على قدم المساواة . لا شك أن التنمية المستدامة أصبحت اليوم تشكل الجزء الأكبر من سياسة الدولة التي تتخذه كشعارا شائعا و براقا، وكأجندة سياسية تتبنى التنمية المستدامة حتى لو عكست هذه الأجندات التزامات سياسية مختلفة تجاه الإستدامة. والتنمية المستدامة قد تدل على أشياء مختلفة سواء بالنسبة للإقتصاديين، أو أنصار البيئة وحتى المحامين والفلاسفة، كل حسب وجهات نظره، وبالتالي فإن محاولة التوفيق بين وجهات النظر تلك بعيدة المنال.

  وما يجعل التنمية المستدامة من المفاهيم الصعبة، المخادعة والمراوغة، هو تأثرها بعلاقات القوة بين الدول وداخلها، بحكم أن علاقات القوة هي التي تصيغ المعاني واللغة التي يستخدمها الناس. لكن إذا ما نظرنا إلى هذه التعريفات والتفسيرات المختلفة للتنمية المستدامة، فإننا نجدها على الأقل تشترك في ثلاث مجالات أساسية ( بيئية، إقتصادية، إجتماعية ثقافية) وتداخل العلاقات بينها يحيل على التنمية المستدامة :

– التنمية البيئية المستدامة : تهدف الى حماية الموارد الطبيعية والأنساق البيئية .

– التنمية الاقتصادية : تهدف إلى تطوير البنيات الإقتصادية والإدارة الجيدة للموارد الطبيعية والبشرية

– التنمية الإجتماعية المستدامة: تهدف إلى التأثير على تطور الناس والمجتمعات بطريقة تضمن من خلالها تحقيق العدالة وتحسين ظروف المعيشة والصحة.    

   ولكي نمسك بزمام نطاق التعريفات المقدمة للتنمية المستدامة، لابد أن نستعرض المحطات البيئية التي مهدت لظهور التنمية المستدامة : تعود أول فكرة لظهور التنمية المستدامة إلى سنة 1968 . حينما ضم نادي روما عدد من العلماء المفكرين والإقتصاديين، وكذا رجال الأعمال من مختلف أنحاء العالم، ودعى هذا النادي إلى ضرورة إجراء أبحاث علمية تخص مجال التطور العلمي لتحديد النمو في الدول المتقدمة.

   وخلال سنة 1972 عقد مؤتمر “ستوكهولم “للبيئة الذي ربط البيئة بمحيط الإنسان، وبالتالي أصبحت البيئة تشمل الإنسان والبيئة وتأثيراته المقصودة والعفوية بمختلف مظاهرها، وشكل هذا المؤتمر ولادة القانون الدولي للبيئة .

  في 28 أكتوبر 1982 ، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الميثاق العالمي للطبيعة، والهدف منه توجيه وتقويم أي نشاط بشري من شانه التأثير على الطبيعة، ويجب الأخذ بعين الإعتبار النظام الطبيعي عند وضع الخطط التنموية.

  أبريل 1987 قدمت اللجنة الدولية للبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة تقريرا بعنوان”مستقبلنا المشترك” ويعرف كذلك بتقرير بورتلاند حيث أظهر التقرير فصلا كاملا عن التنمية المستدامة، وتم بلورة تعريف دقيق لها، وأكد التقرير على أنه لا يمكننا الاستمرار في التنمية ﺑﻬذا الشكل ما لم تكن التنمية قابلة للاستمرار ومن دون ضرر بيئي.

  ومنذ ذلك الحين تعالت الأصوات وعقدت ندوات فكرية ومؤتمرات محلية وعالمية، بعد أن تأكد أن كوكب الأرض أصبح في خطر، وبدأت الدعوات تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في اتجاهات التنمية الحالية، لما يعرفه العالم من تدمير ذاتي لأسس بقائه واستمراره. إلى ان توجت بمؤتمر ريوديجانيرو 1992 تحت شعار التنمية السليمة أو تنمية قابلة للاستمرار وملائمة بيئيا، ومن بين النتائج التي خلص إليها هذا المؤتمر نذكر على سبيل المثال:

 – اعلان ميثاق الأرض، يحدد ويعلن مبادئ تلتزم الشعوب بها في العلاقات فيما بينها ومع البيئة، وتؤكد على استراتيجيات قابلة لاستمرار .

 – مذكرة أعمال القرن21 ( 40 فصل) لتطبيق ميثاق الأرض

 – وضع آلية تمويل الأنشطة التنفيذية للمبادئ المعلنة خصوصا في الدول النامية التي تفتقر إلى موارد مالية إضافية لدمج البعد البيئي في سياستها الإنمائية. 

 – ديسمبر 1997 إقرار بروتوكول كيوتو الذي يهدف إلى الحد من انبعاث الغازات الدفيئة، والتحكم في كفاءة استخدام الطاقة في القطاعات الإقتصادية المختلفة وزيادة استخدام نظم الطاقة الجديدة والمتجددة.

 – في سنة 2002 عقد مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في جوهانزبورغ بجنوب إفريقيا، ﺑﻬدف التأكيد على الإلتزام الدولي بتحقيق التنمية المستدامة. وقد استمر هذا الإهتمام عبر عدد من المحطات البيئية من ملتقيات وندوات فكرية. إلى أن تم عقد أهم محطة بيئية في هذا العصر وهي مؤتمر “ريو+20” الذي عقد في يونيو 2012 ، والذي اعتبر التنمية المستدامة هي خطة النمو من أجل القرن 21

  هكذا، رغم تعدد المشارب العلمية التي تناولت هذا المفهوم ورغم التعريفات التي تقدمها كل المحطات البيئية، يبقى جوهر التنمية المستدامة هو تحقيق تنمية إقتصادية ورفاهية إجتماعية عادلة بين الأجيال بأقل قدر من استهلاك الموارد الطبيعية وبالحد الأدنى من التلوث والأضرار بالبيئة .