لنكن صرحاء

جواد البلدي

   كثيرا ما نخدع أنفسنا بكلام فضفاض وبعبارات رنانة وبشعارات لا أساس لها، من قبيل أننا مجتمع مسلم وله قيم، له أخلاق أفضل من أخلاق الغرب، أو لنا ما نعيش لأجله، لكن … لنتأمل في واقعنا ، ولنحلل سلوكياتنا، ولنقرأ على الأقل تصرفاتنا وأفعالنا ، ليتبين لنا مدى بُعدنا عن حقيقة ما ندعي، ومدى جهلنا بما نعتقد أنه آراء صحيحة،

  لنقف إذن مع مفهوم الالتزام، ولنأخذ التزامنا بالوقت سواء كنا تلاميذ أو مدرسين أو كتَّاب الجماعات المحلية، أو موظفي الإدارات أو أطباء أو مسؤولين ( وزراء ، برلمانيين ، رؤساء المصالح … ) أو حتى مسيرين للإذاعات والقنوات التلفزية، وغير ذلك كثير … هل حقا نلتزم بالوقت؟ الجواب هو لا وكلا ، لأننا لا نتحمل مسؤولياتنا أمام ذواتنا أولا، ثم أمام الآخرين، لمجموعة من الاعتبارات من أهمها طريقة التربية التي تلقيناها، والتي تعلمنا من خلالها إلقاء المسؤولية على الآخر أو الظروف، وبئسه من مبرر وتحجُّج، من جهة أخرى لم نتعلم، وليس لدينا قناعة بشيء إسمه الواجب (مهني أو أخلاقي أو ديني أو إنساني) بل إننا نطالب فقط بالحق، ونسينا أن هذا الأخير مرتبط أشد الإرتباط بالواجب، بل يمكنني الذهاب إلى أبعد من هذا والقول بأن الواجب قبل الحق قطعا، وإن كانت العلاقة بينهما جدلية ، وبهذا نكون كائنات لم تصل بعد إلى مستوى الإنسانية، لأن هذه الأخيرة وعنصر الكرامة الإنسانية يقتضيان منا أن نحترم الإنسان ونقدره في ذواتنا أولا، ثم في الأشخاص الآخرين باعتبارهم كائنات عاقلة بالمعنى الكانطي، وفي هذا الصدد يقول، وهو دليل على أننا لا نقدر ولا نحترم ذواتنا وبالتالي نفقد الثقة في أنفسنا، “إذا قدمتُ لأحد وعدا، فيجب أن أفي به، حتى إن سلمتُ بأنه قد ينتج عنه ضرر بالنسبة إلي. ذلك أن إنسانا ينوي شيئا ما ولا يفعله، لا يستطيع بعد أن يثق في نفسه، وإذا قرر أحد أن يستيقظ دائما في وقت مبكر للدراسة أو لفعل هذا أو ذاك، أو للنزهة، ويعتذر عن ذلك فيما بعد أثناء الربيع لأن الجو ما زال باردا جدا في الصباح، وأنه قد يصاب بتوعك، وأثناء الصيف إذ يطيب النوم ويلذ له ، بحيث يرجئ دائما تنفيذ القرار من يوم إلى آخر. فإنه في النهاية لن يثق في نفسه” (كانط، تأملات في التربية، تعريب محمد بن جماعة، ص72 .)

 فالتلميذ يأتي متأخرا ويتحجج ببعد المسافة عن المؤسسة، والمدرس يتحجج بكون التلاميذ يتأخرون لذلك لا داعي للإتيان إلى العمل في الوقت، والوزير يتعلل عن تأخره إلى البرلمان أو في مواعيده بكثافة حركية الطريق وصعوبة المرور، وموظف الإدارة يتعلل بوجود موظفين آخرين يتأخرون ( المحاسبة المغلوطة والمزيفة) والقناة التلفزية تصرح ببث برنامج معين في الوقت الفلاني لكنها تؤخره بربع ساعة أو أكثر، إن لم تحذفه من القائمة أصلا ، وكأن شيئا لم يكن ، والكل لا يلتزم بواجبه بذريعة “كل الآخرين يفعلون هذا السلوك ، لست وحدي” إننا نهدم أنفسنا بذواتنا والله يقول “يخربون بيوتهم بأيديهم” فهل نحترم ذواتنا ؟ لا وألف لا، ومليون لا، إننا لا نعرف ماذا نريد ، ولا ماذا نفعل ، ولا إلى أين نحن متجهون ، لأننا نعيش بدون أهداف (لأنه لا وجود للمبادئ والقيم) وبلا إستراتيجيات ، فقد كتب بارتيلمي سانتيهلير في تعليقه على كتاب “الأخلاق إلى نيقوماخوس” لأرسطو يقول: “يجب أن يكون المرء على شيء من الفضيلة حتى يصير فاضلا” والفضيلة تقتضي أن نعرف كيف نقدِّر الذات باحترام الوقت، والالتزام بالواجب – مهما كانت نتائجه – وبالمواعيد . ويبقى السؤال : لأجل أي شيء نعيش؟ وما هي إستراتيجياتي في الوجود؟ وما هو منهج أو مناهج تحقيقها ؟