أقـرع على قارعة الطريق

علي عبيد

   ها هو الظلام قد انجاب وأشرقت الأرض بنور ربها، السماء تبدو كالبحر الأزرق، لا شيء على قارعة الطريق سوى الأقرع. قرب المسجد كنيسة مهدومة. عن يمينها شجيرات ذابلة. المنظر جد مؤلم ومحزن في آن. كيف للطيور أن ترتاح على أغصانها؟ وكيف للأقرع أن يستريح تحت ظلها الباهت؟ جلس الأقرع ـ كعادته ـ بوجه عبوس ورأس أصبح حصيدا كأن لم يغن بالأمس، ببنيته الضعيفة وبعين باصرة رفع يده الوحيدة إلى عنان السماء، يشكو ضعفه وقلة حيلته أمام سرعة الناس؛ عل العطف يأتيه من غير آصرة. والناس يمرون عليه مرور الكرام..  ذاك إلى المسجد المهجور، والآخر إلى الكنيسة المهدومة، والآخر إلى المسرح البلدي، وقليل هم الذين إلى عملهم؛ لأن العمل غير موجود أصلا.

   بقدمين حافيتين على أرض باردة زمّل الأقرع وجهه بالنظر إلى أقدام الملأ، وقناع الحشمة لا يراه إلا من هو أضعف منه.. ثم أخذ يناجي في دمع منهمر ويسأل الناس ارحموني.. إني مريض وزوجتي شبه هالكة في بيت عشوائي.. وأبنائي من الزوجة الأولى قد تخلوا عني مع أمهم… الراحمون يرحمهم الرحمان.  لا أحد يبالي، الكل يقول على “أن الأرض قد امتلأت بالشحاذين، وأن الزمن قد تنكر لكل متسول. وعلى أن أكثر من نصف ساكنة هذا الكون الصغير قد احترفوا مهنة الشحت، فبها  ومنها رزقهم الله وأعطاهم الشيء الكثير…

  ها هو وقت الظهيرة قد أقبل، والناس يجرون جريا إلى حيث مساكنهم. والأقرع لا يستطيع العودة إلى البيت؛ فهو لم يصافح يدا. وبعد أن وقفت الشمس وتوقفت في كبد السماء، نظر الأقرع إليها، فإذا به أمام سيارة فارهة. فتح بابها الأسود، وحُمل الأقرع حملا أمام ضجيج الناس. وحُملت بقاياه على يد شاب مفتول العضلات… انطلقت به السيارة إلى مكان مقفر خارج أسوار المدينة، انزلوه والسيف على عنقه. لم يعرف موقعه في الجملة. كان ليبقى كذلك. لو لم ير بأم عينيه من وقف أمامه. كان الواقف إبنه البكر، ومعه أمه. بعد دقائق معدودة وقفت سيارة أخرى، ونزل منها أشخاص كأنهم خزنة جهنم. قدموا للأقرع أوراقا بيضاء وأمروه بأن يوقع. لم يعرف السبب، ولكنه عرف أنهم يريدون منه أن يوقع على أراضيه ومنزله، ليصبح كل شيء في ملك الزوجة الأولى وأبنائها.

 وما هي إلا لحظات حتى وقفت عليهم سيارة الشرطة، ونزل منها أصغر أبناء الأقرع من الزوجة الأولى مع زوجته الثانية. فالقوا القبض على الكل وراحوا إلى مخفر.. حين خرج الأقرع من عند الشرطة مع إبنه وزوجته. سأله إبنه:

  ـ لماذا تفعل بنفسك هكذا يا أبي وأنت تملك من الدنيا ما تملك؟.. صدقات الناس ماذا ستفيدك؟

 رد عليه في دموع ساخنة:  

ـ كي لا تعود أمك الي ومعها إخوتك. ولك الآن مع أمك الثانية كل ممتلكاتي، فافعلا بها ما تريدان

  انتهت رحلة الأقرع في دنيا الألم. ليبتعد بعد ذلك عن قارعة الطريق. فربما الحياة ستعيد له شعره، وتذكره بالمسجد المهجور، لينسى بذلك تلك الكنيسة المهدومة..

 

تعليقات