حول إدارة الحياة

جواد البلدي

 ليست الحياة في شموليتها وكليتها سوى فكرة، فإذا كان تصورنا للحياة يقرنها بالمعاناة، فالحياة معاناة، وإذا كانت تمثلاتنا لها تنظر إليها بأمل فهي أمل، ذلك أن ما نتمثله هو ما نعيشه، وما نعيشه في حياتنا اليومية هو ما نتمثله ونتصوره في مخيالنا، من أفكار التي تتحول إلى تركيز، مثلما أشار الفقي، فإحساس، فسلوك، ثم نتائج وفي الأخير تحدد مصير الفرد، وبهذا المعنى يكون ما نحياه ليس سوى ما نفكر فيه ، ونركز عليه،  فإن كان تفكيرا إيجابيا فالحياة ستكون إيجابية بجميع المقاييس، وإن كان تفكيرا سلبيا فكذلك الأمر بالنسبة لما نعيشه ونحياه، هو الآخر سيكون سلبيا، حيث يكون المزاج في هذه الحالة في أدنى مستوياته ويفقد الشخص كل طعم للحياة، مختصرا إياها في الضجر والتشاؤم كما يقول شوبنهاور – كبير المتشائمين الألمان- وفي هذا تنغيص للحياة وتكدير للحظاتها.

  من أجل ذلك يورد مايكل فورتين في كتابه “إدارة الحياة” نقلا عن “ماهيش يوجي” يقول “لا تفكر في الفشل ، لأن ما تفكر فيه يتحقق” خصوصا عندما يتم التركيز على موضوع التفكير، إذ يستغرقنا هذا الموضوع ويحتوينا ويجعلنا نعيش له ولأجله ومعه فقط ، في حين أن ما يجب التركيز عليه هو كيفية الخروج من ذلك الموضوع – إن كان مشكلة من المشكلات – دونما أي تأثير على النفس من قبيل القلق أو الإضطراب أو كل ما من شأنه أن يسبب لها توترا، فلنراقب أفكارنا لأن منها ما هو قاتل، خصوصا تلك التي تحمل في طياتها سما مميتا ، إذ ماذا يمكننا القول عن الإنسان سوى أنه جسد وروح؟ وبطبيعته الثنائية هاته يكون أضعف مخلوق يتأثر بما يحيط به، بقدر ما هو أقوى مخلوق يستطيع السيطرة على العالم، بفضل جوهر الفكر الذي يميزه عن كل الكائنات، ثم أليس العقل السليم في الجسم السليم ؟ فكيف يكون الجسم سليما إذا كان العقل مضطربا ومشوشا؟

  إن الإنسان لا يعيش إلا حياة واحدة، ولا يملك منها إلا اللحظة التي يعيشها، فما مضى مات ولن يعود، وما هو آت لا نعرفه ولا نملك أية فكرة حوله، بل لا نعرف هل سيكتب لنا عمرا مديدا لنعيشه. فماذا بقي لنا إذن غير حاضرنا؟ ولماذا لا نعيشه بكل بسط وطمأنينة؟ فليس عبثا ما كان يردده الراحل المصري إبراهيم الفقي إذ يقول “عش كل لحظة وكأنها آخر لحظة في حياتك” لكن، حذار أن تنغص على الآخرين حياتهم لإسعاد ذاتك، فهذا قمة الأنانية وقمة التوحش، وحذار أن تكون متعتك خارج حدود الشرع والمنطق والمبادىء الإنسانية، فذاك قمة الحيوانية، أسلك دائما وفق معايير ومقاييس الحكمة، ولا تبالي بما يقوله عنك وفيك الآخرون، مادمت مقتنعا بما تفعل، لأن إسعاد وإرضاء كل الناس غاية لا يمكن بلوغها بشكل تام، إلا إذا كان ذلك بتفريط في حق الذات، فلنفسك عليك حقا لا تحرمها إياه، ولغيرك عليك حقا لا تهمله. أختم بقولة لفيكتور هيجو يقول ” لا قوة إلا قوة الضمير، ولا مجد إلا مجد الذكاء”.