رايح يبحث عن شغل (تتمة)

جواد الكبيبة

     بعدما وجد نفسه محاصرا بعدة أسئلة وكل جواب منه مرفوض, قرر ألا يجيب مرة أخرى وقال في داخله:

–        تبا للقدر الذي يعاكسني كلما حاولت إنشاد…

وقبل أن يتمم حواره مع نفسه, قاطعه الشرطي ساخرا  

–        فين أبا أحمد غدا يوم محاكمتك..

لم يبالي بكلامه وقال:

–        أريـــد حزامي ورباط حذائي

–        لا تقلق غدا سنسلمك للمحكمة وسنسلم لك كل شيء

    تجاهل كلام الشرطي وتكمش في مكانه وظل الليل بكامله يفكر في المحكمة و أطوار المحاكمة …

–        كيف هي المحكمة ..؟ لماذا المحاكمة..؟ ماذا بعدها ؟؟

    في هذه الدقائق الأخيرة من الليل تذكر أمه وسيطر على تفكيره الأيام الجميلة في القرية ما ينتج عنها من أحاديث شيقة بين الناس الذين لا يفكرون إلا فيما يدور حولهم…طلع الفجر ولم يعرف النوم قط, وبدأ يساءل القدر تارة يحمله المسؤولية وتارة أخرى يحمل المسؤولية لنفسه ولليوم الذي خرج فيه من القرية. هذه الأخيرة التي تعرف السلم الدائم..لا الشرطة ولا المحكمة و السجن هناك.

   عند الساعة الثامنة صباحا دخل عليه الشرطي وقال :

–        أراك لم تنم جيدا ..استعد سيتم نقلك

–        هـــل لديك سيجارة ؟

   قال هذا وهو ينظر إلى يد الشرطي ,هل بيده شيء يأكله…ناوله الشرطي السيجارة وأعاد تذكيره :

–        موعد محاكمتك التاسعة صباحا

–        وإن يـــــــــــكن ..

    … توجه إلى المحكمة متألما يفكر في الأسئلة والأجوبة معا وما سيصاحبها من شتم وســـب كما اعتاد على ذلك في مخفر الشرطة …وتفاديا لأي إحراج أو قلق قرر أن يواجه جميع الأسئلة بقول نـــــــعم ..وليحدث ما يصنعه القـــدر بسائر البؤساء..

   وجهه شرطي المحكمة إلى قفص الاتهام, فوقف مستغربا حائرا ينظر هنا ويعيد تذكر أطوار قصته وما جناه عليه سفره, واليوم الذي صعد فيه تلك الحافلة المشؤومة. وفجأة قطعه المسؤول قائلا :

–        ما اسمك ؟  مهنتك ..حالتك العائلية ؟؟

بدأ ينظر في هندام المسؤول و أجابه بعفوية

–        ليس لدي عائلة.. اسمي أحمد

–        وماذا تقول في المنسوب إليك ؟

–        نعم..

أعاد المسؤول طرح السؤال فكرر نفس الجواب غير مبالي بتذمر المسؤول وسخرية الحاضرين في القاعة, فاعتقد المسؤول أنه لم يفهم  السؤال فصاغه من جديد

–  هل تعترف بالمنسوب إليك ؟

– نعم

– وقع المحضر إذن…

… لم يعرف كيف يوقع لأنه اعتاد على البصم..

انتهت المحاكمة بسهولة وسط حيرة الناس لأن الكل كان يعتقد فيه أنه معتقل سياسي كبير…ونظرا لغبائه حكم عليه بسنتين من الأعمال الشاقة. عندما سمع الحكم فرح كثيرا معتقدا أنه وجد العمل الذي أتى من أجله  ناسيا ما يخبؤه له القدر وقال:

–         حمدا لله بعد المشقة الفرح.. كلام أمي على صواب.

   انتقل إلى مكان العمل مباشرة بفخر مستهزئا في نفسه بأقرانه الذين احتقروه في القرية عندما أخبرهم بمخطط سفره…التف حوله فوجد مجموعة من البؤساء لا تليق بهم صفة الإنسان مطمورين وسط أكوام من الرمل والحجر وأول ما رمقت عيناه فأس كبير وتمتم قائلا :

–        لابد أن العمل سيكون شاقا هنا كما ذكروا..لكن في سبيل الخروج من البؤس…  

   ثم أعاد النظر من جديد متأملا  حركة السجناء متحسرا عليهم ناسيا أنه سيكون فردا منهم وبدأ يتساءل :

–        ما شأن هؤلاء .. آ هكذا العمل هنا ؟ لا بد أنهم يتقاضون كثيرا…هل يعملون اليوم بكامله ؟؟

   كل هذه الأسئلة كان يطمح في إجابة لها قبل أن يباشر العمل لكن بمجرد أن حياهم بأسلوبه القروي أصابته الصدمة من جديد  .. لم يبادله أحد تحيته .فبدأت الأسئلة تراوده من جديد

–        آ هكذا الناس هنا لا يتكلمون..لا يسمعون ..لا بد من مكروه أصابهم هل أكرر التحية لا…

قـــــــــــاطعه السجان بلهجة خشينه ذكرته بأول يوم له في مخفر الشرطة

–        هل أتيت للنظر في أمثالك.. هيا ادخل في الأرض وإلا ستذهب…

    قاطعه بلهفة معتقدا أنه سيرجع إلى القرية…

–        سأفعل كل شيء إلا الرجوع …

    بدون تردد أخذ فأس و بالة وضعهم في ناقلة صغيرة فقدت عجلتها المطاطية وتوجه إلى كومة كبيرة من الرمل والحجر فرفع الفأس فوق رأسه وضرب الأرض بكل قوته بدون أن تجدي ضربته نفعا ..تمتم…

–        لا يهم هذه البداية فقط!!    

   أعاد الكرة مرة أخرى بدون جدوى فبدأ السجناء يضحكون ويسخرون…لم يبالي بما يدور لأنه على الأقل وجد جوابا لإحدى أسئلته وقال :

–        حمدا لله فهم يتكلمون ولا وجود لمكروه هنا !!

   نسي المسكين أنه محكوم بسنتين من المكروه جراء غبائه… قضى أيام وشهور من المعاناة وجد فيها استئناس من السجناء تقديرا لغبائه وخفة دمه… أحس بالتعب الشديد الذي يزداد يوما بعد يوم حينما يفكر في مقابل تعبه .نسي كل الأسئلة وسيطر عليه السؤال الكبير المتعلق بالأجرة.

   في أحد الأيام قرر أن يسأل صديقه إدريس لكي لا ينسحب قبل معرفة الجدوى من عمله على غير علم أنه في السجن..ناد على إدريس الذي وجد فيه نموذج الصديق وسأله بغباوة :

–        هل دفعوا لكم الأجرة من قبل ؟

   تلقى إدريس سؤاله بقهقرة لم تنته إلا بضربة قوية من السجان فأصابت أحمد الحيرة وندم على سؤاله  الذي سبب به الألم لصديقه… عندما ذهب السجان قال لصديقه بصوت خافت:

–        هل نحن عبيد ؟

  أجابه صديقه ببرودة دم تحمل معها نبرات ساخرة ممزوجة بالعذاب

–        ألم تمثل أمام المحكمة ؟ ألم تعرف عقوبتك ؟

–        لا أدري قال المسؤول حكمنا عليك بعامين من الأعمال

–        ولماذا تطالب بالأجرة ؟

–        وهل رأيت أحد يعمل مجانا ؟

–        نعم السجناء ..البؤساء ..الذين مسّتهم سخرية القدر…

    وجد في كلام صديقه ما يشفي غليله ويزيل عنه حيرته وما يوضح غموضه… فكر مليا وقال مستلهما معاناته :

            أنا الساخط و المسخوط

            أنا التائه في ركام المجهول..

            أنا النائم في زمن السخرية

            أنا الغبي وسط الأشرار..

            أنا الضـــــــــــــائـــــع

            أنا من ضيع نفســــــه

            أنا من فاتته الحيــــاة

            أنا من ربح الكوابيس

            أنا من أنــــــــــــــــــا

            أنا البطل القـــــــوي

            أنا من خدعه القدر

            أنا من فاز باللقـــــب..

قال هذا وهو ينظر إلى السماء وعندما أنهى كلامه وجد السجناء يرددون ما أنشده للتو.. عانقه الكل وصفقوا له وأصبحت الأنشودة حديثهم اليومي ومصدر تسليتهم يرددونها طول النهار… وعاشوا في ود مع شقائهم

تعليقات