أنا لغتي

فريق التحرير

            بقلم محمد أوراغ                                                                                                                                                           كثر الهرج والمرج في الأيام القليلة الفارطة، فقط لأن زمرة ممن غاب وعيهم أطلقوا وابلا من التراهات والأراجيف في حق لغة إحتضنتهم منذ أن وجدوا وأعزتهم ورفعت من شأنهم بين غيرهم. هؤلاء اليتامى كما يطيب لي نعتهم لم يجدوا بدا من التعبير عن مستواهم المعرفي إلا عبر هذا الهذيان وهم بذلك اختصروا لنا مسارهم المعرفي الذي يبدوا مغسولا نظيفا من كل ما له علاقة بهويتهم. كيف لا وهم يتشدقون بأمجاد أسيادهم الزائلة ولا يكادون يخطون خطوة دون الرجوع إلى من آستعبدهم وأوكل إليهم تنكيل هويتهم، وهم بذلك ينفخون في رماد نار ستلفح وجوههم يوما لأن العربية مصونة من عند من آختارها لغة لقرآن عجز كل علماء اللغة عبر العصور عن إيجاد بلاغة تشبه بلاغته أو تقترب منها. يقول د.عبد الوهاب عزام “العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة”.

  بكل صراحة من يتهجم على لغة جذورها قبل ميلاد الزمان رست وقبل تفتح الحقب، هو كمن يسبح ضد التيار أو يصارع الأمواج في أعالي البحار. أصبت بالدوار فعلا عندما سمعت أحدهم ينادي جهارا على رؤوس الأشهاد بإقحام الدارجة بدل لغة الأصول في تعليم أبناءنا، يحق لنا التساؤل هنا عن هدفهم المدفون الخفي من دعايتهم هذه؟ من ينتمي لهذا التيار المشؤوم والذي سيجرف أصحابه حتما إلى مطبات البؤس والتخلف عليه أن يعي جيدا بأنه يخوض حربا محسومة لصالح لغة (العربية) عجزت اللغة التركية عن القضاء عليها بعد صراع دام لقرنين ونصف من الزمن في بلاد العرب، فما بالك بمجرد أقوال فضفاضة لشرذمة تربت ودرست في مدارس المستعمر.والذي عجز طوال فترة آستعماره على قلع جذور لغة شكلت أكبر خطر وتهديد على كيانه، ووعيا منه بهذا الخطر وبعدما نكص على عقبيه وخرج مذموما مخذولا مطأطأ الرأس صاغرا، رأى أنه من السذاجة التخلي عن مشروع إفشال اللغة، لكن هذه المرة ليس بيده بل بيد عدوه. عملا بالمثل الفارسي الذي يقول: إذا رأيت الأفعى فلا تقتلها بيدك، بل آقتلها بيد عدوك. وهو ما يفعله المستعمر من خلال هؤلاء، لكن هيهات هيهات. بعيدا عن ذلك كله ما اللذي ستقدمه الدارجة وإن درسنا بها بدل العربية؟ تضرعوا في ذلك بكونها تحتوي على صعوبات كـأْداء تعرقل التعلم، لكنها ذريعة واهية فلا يوجد أسهل من اللغة العربية، يقول البلجيكي جورج سارتون في هذا السياق:ٍ إن اللغة العربية أسهل لغات العالم وأوضحها، فمن العبث إجهاد النفس في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل وتوضيح الواضح. و ما غاب عن ذهن هؤلاء هو أن المغرب يحتوي على أكثر من لهجة، وبالتالي من خلال هذا التيار يتبين لنا أن من أهدافه إذكاء نار الحقد والتمييز بين مختلف جهات المملكة بحيث سيسعى كل ذي لهجة إلى نشر لهجته ومحاولة تعميمها مما سيعصف بنا في دوامة من الحروب التمييزية وكره الآخر، وبالتالي زعزعة الأمن داخل الحواضر والبوادي على حد سواء.

  في خضم كل هذه الخطورة، لم نتفضل بالأخطر بعد وهو أن هذا التيار يريد ضرب الدين في العمق، فكلنا نعلم أن القرآن الكريم قد أنزله الله بالعربية الفصحى وأن العبادة لا تتم إلا بتعلمها، وهنا مكمن الخطر، فالمناداة بالتخلي عن اللغة العربية لصالح أي لهجة أو لغة أخرى هو دعوة صريحة إلى الإبتعاد عن التوحيد أحد الثوابت الثابتة لدى مجتمعنا والمكفولة دستوريا غير قابلة للنقاش. يجب التأكد الآن أننا أصبحنا أمام تجاسر واضح على مقدساتنا وهويتنا، فهل ترانا سنقبل بهذا التآمر؟ ضد لغتنا، ضد هويتنا، ضد حياتنا، علينا أن نتذكر دائما قول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ. ما يحير العقول فعلا ويثير في النفس بواعث الدهشة والإستغراب هو أن نسمع ما نسمع من مغاربة، فلو كان من غيرهم لكان الأمر أهون على مسامعنا.

  على صعيد آخر، ألا توجد لهجات في اللغات الأخرى؟ فمثلا بفرنسا سنجد: Acadian French، African French، Aostan French، Belgian French، French-based creole languages، Mauritian Creole… واللائحة طويلة، إذن لماذا لم تتنبه فرنسا إلى التدريس بهذه الترسانة من اللهجات؟ وبقيت متشبتة باللغة الفرنسية، ربما فاق ذكاء هؤلاء ذكاء الفرنسيين !!! على فرنسا أن تستعين بحذاقتهم لتلحق بركب تقدمهم. غريب فعلا، ففي الوقت الذي أدركت جميع الدول على آختلاف مشاربها بأن النجاح واللحاق بقاطرة التقدم رهين بالتشبث باللغة الأم للبلد، ها نحن نجد أنفسنا أمام جماعة من الذئاب تعوي على مرأى ومسمع من الكل ودون أدنى خوف لتسمعنا أصوات الغدر والتنكر لأصولنا، طبعا لم يصبحوا ذئابا حتى أيقنوا بأن من سيسمعون عويلهم مجرد نعاج، وإلا لما سولت لهم أنفسهم التطاول على إرث كاللغة.

  مسألة التدريس باللغة العربية وترجمة جميع العلوم والمعارف إليها كما سبقنا بذلك أسلافنا أمر لا جدال فيه وهو السبيل الوحيد لتدارك ما نعانيه من نقص، وخير مثال يمكن أن نسوقه في هذا الصدد هو اليابان، فعندما أيقنت بهذا الأمر أصرت على جعل اللغة اليابانية لغة رسمية لتدريس جميع العلوم والكل على آطلاع بما وصلت إليه من تقدم. فرغم أن العولمة تقتضي تعلم الأنجليزية لكونها اللغة التي يجب أن يتعامل بها العالم، إلا أن ذلك لم يثني اليابانيين عن الإيمان بكون تقدمهم رهين بالتمسك بلغتهم، فمن لا يعلم فالمتعلم الياباني يتأخر ترتيبه بين طلاب الدول الأسيوية إلى المرتبة الثامنة عشر في مهارات آختبارات اللغة الأنجليزية، كما يمكن الإشارة إلى أن إحدى الدراسات أثبتت أن أكبر عدد من براءات الإختراع سجلت في الدول التي تدرس بلغتها. كل هذا يحدث وأصحابنا نائمون في العسل.

  ولو لم تكن اللغة الأم سبيلا لتحقيق المجد والرقي وإبراز الغنى الثقافي وإثبات الذات لما عملت إسرائيل على جعلها ركيزة أساسية لإرساء دعائم قيام الدولة اليهودية قبيل نهاية القرن 19م. ولما تشبثت بها إلى الآن رغم أن عدد ساكنتها لا يتجاوز ستة ملايين، فهي تدرس بها من المهد إلى اللحد والطلبة الفلسطينيين أنفسهم يدرسون في جامعة تل أبيب بالعبرية.

  يجب علينا كعرب أن نعتز بلغتنا لأنها بحر من الألفاظ الراقية الرفيعة ذات الرونق الأخّاذ، يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر إحدى أرقى الصور في اللغة العربية كما جاء في إحدى مقالات أحد الإعلاميين السعوديين وهي أن “الماء إذا جرى فهو خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش فهو قسيب ، وإذا دخل في مضيق فهو فقيق ، وإذا تردد في الجرة أو الكوز فهو بقبقة ، وإذا استخرج شراباً من الآنية فهو قرقرة”. إن اللغة العربية تمثل 15 قرنا من الإبداع الأدبي والعلمي والفني وتحمل في ثناياها لمن يريد تذوق طعم اللغة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من المعاني والمفردات الرقيقة. يقول الإطالي كارلو نلينو:  اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقا، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها. وفي المقابل إذا نظرنا إلى سائر اللغات فسنجد أعرقها لا يتجاوز عمرها خمسة قرون، ومع ذلك فأصحابها يقيمون الدنيا ولا يقعدونها دفاعا عن لغتهم التي تمثل بالنسبة إليهم حياتهم. إذن لماذا هذا التخاذل كله من قبل العرب تجاه أعرق اللغات وأعظمها على الإطلاق، لنا نعمة لا نعرف قدرها ولو كان غيرنا يملك هذا الإرث لصنع به العجب العجاب، لكن لا حياة لمن تنادي.

  إن في السر هناك مقالب تحاك للنيل من اللغة العربية ليس من أجل النيل فقط، لكنها فعلا تشكل شهادة على أمجاد أمتنا الخالدة وحضارتها الباقية، وثقافتها الراقية وهو ما يحاولون طمسه بكل ما أتيح من وسائل، فأين العرب من هذه المقالب؟هل مات ضميرهم؟ لقد صدر عن منظمة اليونسكو سنة 2006 قائمة بحوالي 300 لغة إنقرضت بشكل كلي في القرن العشرين، وأصدرت صحبة هذه القائمة قائمة أخرى باللغات التي تتنبأ بزوالها في القرن المقبل وكانت اللغة العربية من ضمن هذه اللغات. إن الذود على زوال اللغة العربية أمر مطلوب منا جميعا لكن ليس بالتمني، بل بإعادة الإعتبار لها والتشبت بها فهي الهوية والحياة كما أسلفنا الذكر، وعلينا أن نصحح للأمم المتحدة قائمتها ونشطب لغتنا العربية منها لأنها لن تنتهي يوما ذلك أن من يحميها لا قدرة تعلوفوق قدرته. تعتبر اللغة العربية أعظم حدث تاريخي، يقول الفرنسي إرنست رينان في هذا الصدد: “من أغرب ما وقع في تاريخ البشر إنتشار اللغة العربية، فقد كانت غير معروفة، فبدأت فجأة في غاية الكمال سلسة غنية كاملة، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها”.

16-12-2013. بفاس.