شفيق السحيمي بين مطرقة الحرقة و سندان الرحيل

يوسف بخوتة

 

 قال لي أخي يوما، بأن هذا الفنان هو من يستحق أن يكون وزيرا للثقافة، لأنه يذكرك بجدورك… كانت أنذاك قد استوزرت الفنانة السعدية قريطف (توريا جبران) في منصب الوزارة المذكورة. لم أعطي كلامه ما يسحق. وكان الفنان العائد من فرنسا بدكتورة في الإخراج المسرحي لم يخرج من العين المطفية بعد، وكان بالكاد يصور مسلسله وجع التراب.

  بعد ذلك بقليل، أطل علينا سيدي أحمد من خلال وجعه، المسلسل الذي حقق أكبر نسبة مشاهدة، نظرا لقصته المثيرة والصعبة المكتوبة  بمتناقضات المجتمع، رغم أنها مقتبسة من أدب آخر. لكنه بفنيتّه أضفى عليها الطابع المغربي. وجاء وجع التراب وما رافقه من مشاكل، لا مع القناة، و الإنتاج، ولا من طرف بعض الممثلين. لكن خرج بعدما كاد أن يتوقف. فكان استحسان الجمهور واضحا تجاهه. وهو الذي لم يعتمد لا على الأردف، أو تضاريس المرأة ليجلب الناظر والمشاهد. فهو قصد مخليه وعقله، وليس غريزته. فكان لابد من اسم شفيق السحيمي أن يبرز على الساحة. ويغطي صفحات الجرائد ويطغى على كلمات الثناء. هذا الإنسان الصلب كما عرفته يوما.

 1452120_255269891294007_1607686517_n

صورة لي مع المخرج والممثل القدير شفيق السحيمي بتاونات

عرفت شفيق السحيمي يوما بتاونات، في ضيافة الجريدة المحلية صدى تاونات، جاء إليها راضيا  متواضعا، ليس متكبرا يفرض شروطا كي يحضر.. حضر ليشارك بتاونات جريدة محلية ذكراها السنوية، ويشارك الحضور في لقاء مفتوح قراءتهم للواقع الفني ولمسار الفنان الفني.

 عرفته هناك حاقدا على الوضع الفني في البلاد، عرفته صارما كما في أفلامه، ومرسحياته. عرفته دكتور في الإخراج المسرحي. محصّل عليها بفرنسا. يحاول جاهدا أن يضع تصور أخر للفن بمجتمع ألف الابتدال في تلفزته  وسينماه  وخشبته. وقد أثبت ذلك من خلال مسلسل العين المطفية بالقناة الأولى سنة 2001، وكذا وجع التراب سنة 2008. وكذا مسلسل تركة البطاش الذي خلع فيه جلباب سيدي أحمد، ولبس شخصية أخرى هي سيدي أحمد في الأصل بصرامته وصعوبة مزاجه، بإسم عبد السلام، الذي ينافس إبنه في حب فتاة كانت هلاكهما الإثنين. ولكن بمعان أخرى غير ما يظهر لنا من خلال اطلالته.

 عرفته في تاونات بعدما سألته، هل تحمل الجنسية الفرنسية كما صرحت جريدة المساء في ملف الأسبوع فنانين مغاربة بجنسيات أجنبية في أحد أعدادها؟ فقال لا، أنا موطن مغربي عشت بفرنسا أكثر من 3 عقود… الذي أحمله هو جواز سفر دولي – وكان قد سحبه كاشفا لي إياه -. هذا الجواز هو الذي سيعينه على الهروب وأسفاه.

 عرفته يعرف مرنيسة، المنطقة المنسية في الجغرافيا والتاريخ. كان قد أفصح لنا خلال اللقاء، أنه ينوي تصوير مسلسل جديد يجسد مرحلة من تاريخ المغرب، آلا وهي المقاومة المسلحة. تحت عنوان شوك السدرة. ومن خلال بحثه في العنوان وأين يوجد المكان؟ قال للصدفة يوجد في منطقة أنا فيها الآن (يقصد تاونات) وبالضبط منطقة مرنيسة. وسألنا إن كان للمكان مؤهلات ودور  يأوي إليها الطاقم التقي والفني، فهو على حد تعبيره يمكن أن ينام على (الهيضورة) لإنجاح عمله، لكن مع ممثلين لا يبغي لهم ذلك. فكان وحسرتاه الجواب بالنفي. ولم يتقنع وقد زار المنطقة شخصيا. لتفقد البنية التحتية للمنطقة، ومكان الذي وجده في بحثه التاريخي. فما كان له بدا، إلاّ اختيار مكان أخر للتصوير. وللأسى والأسف أن حتى هذا المسلسل خلق له عراقيل وتم إيقافه. وحرم المشاهد من رؤية مرحلة من تاريخه.

  علاقة بالموضوع. وأنا أهم بالنزول  في البيضاء يوما من القطار، صادفت شابا تجادبت معه أطراف الحديث، فقال لي أنه يعمل تقني صوت  في أحد المسلسلات مع المخرج شفيق السحيمي. وأفصح لي عن صرامته في التعامل مع الممثلين والتقنين، ولا يغفل أبدا عن أبسط الأشياء. هذه الصرامة سيتخدها البعض لإيقاف الإنتاج، كما قرأت بالعديد من المنابر الإعلامية.

  عرفت شفيق السحيمي إنسانا متواضعا، بلسان يجسد حقيقة مجتمع متناقض. كان يتحدث لنا بتاونات عن أشياء في الوسط الفني أنذاك، لم نعريها اهتماما. فلما سألناه لماذا تختار الهامش لتصور أحداث مسلسلاتك؟ قال الهامش هو المغرب، وقال سيأتي عمل أخر بالمدينة تشاهدون فيه شفيق السحيمي مغايرا لما هو عليه بالبادية والهامش. كان يقصد مسلسل تركة البطاش.

  كان ينوي إنشاء مركز للتكون في مجال المسرح. لكن لم يتأتى له ذلك، بفعل عدم التعامل معه، من طرف لا الوزارة، ولا التلفزة، ولا أحد. كل ما لشفيق السحيمي هو الجمهور، الذي يحترم فنه إلى أقصى حد. حتى الإعلام لم ينصف هذا الفنان.

 والأن يعلن شفيق السحيمي إفلاسه الفني، وتعليق كل أعماله ويغادر أرض الوطن إلى غير رجعة في فيديو مصور نشره أخيرا على اليوتوب، احتجاجا على المدونة الرقمية. التي أتى بها الوزير مولاي عبد الحفيظ العلمي. التي تتظمن عقوبات سالبة للحرية.

  هي نقطة عجلت بهذا الخروج والشكل الإحتجاجي لفنان عرفناه مبدعا. لما لا وهو يحمل في جسده وكيانه ثقافة عايشها بأوروبا خلال دراسته الأكاديمية  في المسرح والسنيما.  ويحمل أيضا جواز سفر يمكن أن يرحل به الى أي بلد يريده، طالبا اللجوء الثقافي والفني. إنها والله حسرة على ضياع مثل هذا الفنان من بلد يدعي نفاقا  أنه يحترم الفن  والفنانين، وقطع أشواطا في حرية التعبير. إنها حرية التغبير  والتغيب هذه. و حضرة الوزير هذا يجلب لنا مدونة تحسب أنفاسنا أمام كل حاسوب ونقرة زر طائشة.

فيديو يعلن فيه شفيق السحيمي ايقافه لأعماله الفنية ومغادرة أرض الوطن