قراءة في كتاب «أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر»

فريق التحرير

قراءة في كتاب «أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر»

للمفكر المغربي: محمد آيت حمو

       لقد كانت آخر إصدارات المفكر المغربي “محمد آيت حمو” صرخة مدوية،  حيث تمددت الحبال الصوتية لهذا المفكر ليقول كلمته في العديد من الإشكاليات التي تتزاحم في ذهن العديد من المفكرين والمهتمين بالشأن الثقافي في المجتمعين العربي والإسلامي، فكان كتاب “أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر” مسرحاً لهذه الإشكاليات، وإن كان المجال الضيق لهذا الكتاب لا يتسع ليشمل مثل هذه الإشكاليات الضخمة لكنه على الأقل فتح الباب على مصراعيه لمن أراد أن ينبش فى واحدة منها، إنها قضايا متعددة، لكن الباحث رد التعدد إلى وحدة، وأكد أن كل القضايا تتقاطع في قضية واحدة وهي قضية الحوار، وهذا تصريح جلي من الباحث في أول فقرة من المقدمة يقول: «إذا كان هذا الكتاب يتناول جملة من القضايا في الفكر العربي المعاصر، وفي مقدمتها الحوار والتسامح والاختلاف والعقلانية والاجتهاد…إلخ، فإن قضية الحوار هي قضية القضايا فيه»([1]).

      إن تشخيص الداء هو المرحلة المستعصية، والتي يجب أن يبدأ منها كل من أراد الخير لهذه الأمة ولهذه الملة، ومن أراد أن يساهم في نجاتها، والجري بسفينتها إلى بر الأمان. وهذا ما أراد الباحث فعلَه، فالحوار بالنسبة إليه هو القادر على أن يعيد لهذه الأمة عزتها، وأن يعطي نفس جديد للحضارة العربية الإسلامية، يقول صاحب “أفق الحوار”: «فالحوار هو المهماز الدافع للحضارة العربية الإسلامية أيام العز والصولة، وهو الوسيلة المثلى القادرة اليوم على تحقيق المجتمع المفتوح The open society واستعادة الوجه المشرق للحضارة العربية الإسلامية، وإنزالها المنزلة اللائقة بها بين الأمم»([2]). إنه البلسم الشافي – حسب تعبيره – لآفة التخلف والتعصب، وهو الغائب الأكبر – كما عنون الفصل الثاني من القسم الثاني من الكتاب – بين المفكرين العرب المشتغلين بالفلسفة وقضايا الكلام، إنه فيصل التفرقة بين التقدم والتخلف، والكلام هنا للباحث.

       إن تحقيق المجتمع المفتوح رهين بالانفتاح على ثقافات العالم والنهل منها على قدر المصلحة، فكل ما فعله النظار القدامى من متكلمين وفلاسفة أثبت للعالم مدى «عالمية الإسلام وتسامحه وتحاوره»([3])، ويتابع الباحث كلامه بقوله: «فداخل الأنا هناك الآخر، وفي طيات الأنا يوجد الآخر، والغيرية تعمل في طيات الإنية تماما مثلما يعمل الاختلاف في طيات التشابه والتطابق»([4]).

        كما يدافع الباحث عن خصوصيات المجتمعات العربية الإسلامية، ويؤكد أن دفاع مجتمع ما عن اختلافه وخصوصيته لا يعني انغلاقه على ذاته، فهناك “المشترك الحضاري” الذي تتقاطع فيه حضارات الإنسانية كلها، وفي نفس الوقت هناك خصوصيات لكل مجتمع تشكل هوية أفراده، من مرجعيات دينية وثقافية، لذلك فالانفتاح على الآخر، والتثاقف معه ينبغي أن يكون “تثاقفاً إيجابياً”، وليس “تثاقفاً سلبياً” بحيث ننسلخ عن جلدتنا وندير وجهنا عن هويتنا وتاريخنا، ونذوب في الأخر ذوبان الملح في الماء، بتعبير الباحث. فعلاقة الأنا بالآخر هي علاقة أخذ وعطاء، وليست علاقة تبعية واستغلال، والتثاقف والانفتاح يعني الاستمرارية، أما التقوقع داخل الذات يعني الموت والانتهاء.

       وكانت إشكالية علاقة الأنا بالآخر قد ظهرت عندما حقق الغرب حداثته، وانبهر العرب بما وصل إليه. وهي إشكالية معروفة بمسألة “الأصالة والمعاصرة”، لذلك كانت هذه المسألة مدخل للحديث عن حداثة عربية، كما طرحت إشكالية التعامل مع الثراث من جهة، والتعامل مع الحداثة الأوربية من جهة أخرى. وما يذهب إليه الباحث بخصوص تصوره للحداثة، ويؤكد على أن استنبات أو على الأقل تبيئة الحداثة لا يستدعي القطع نهائيا مع التراث والإعراض عنه، بل إن من قضايا التراث ما يمَكِّنُنا استحضارها من تخصيب مجهودات الساعين وراء التنوير. كما أنه لا يجب الإعراض عن ما وصل إليه الغرب من تطور خلاق ومبدع في مجال العلوم والتكنولوجيا، فهناك جوانب من الحداثة يمكن استثمارها وتطويرها، شرط أن لا تتعارض مع الخصوصية. فلست الحداثة كلها إيجابية، وليس التراث كله سلبياً. يقول الباحث: «فالحداثة لن تتحقق بالتبعية والركود، ولا بالانطواء والتقوقع على الذات، لأن الأمر بين بينين»([5]). فالاجتهاد هو الكفيل بإقحام الفكر العربي المعاصر عالم الحداثة، وليس استيراد التراث أو الحداثة آليا.

    ومن بين الإشكاليات التي استوقفت العديد من رواد الفكر العربي المعاصر هي مسألة التعارض بين الإسلام والحداثة. ويؤكد الباحث هنا أن علاقة الإسلام بالحداثة ليست مطبوعة بطابع التنابذ والتنافر، بل يحكمها التقاطع والتناغم ويقول: «تبعاً لذلك، فمشكلة العرب والمسلمين مع الحداثة لا تتعلق بالإسلام الذي لا يتعارض مع الحداثة، بل تتعلق بالاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية في العالم العربي، وربما تتعلق بالمثقف الذي لم يعد دوره هو التعرية والنقد؛ بل التسويغ والتبرير»([6]).

       كما ميز الباحث بين الجدل الذي هو أهم ما يتصف به الخطاب الكلامي الإسلامي، والبرهان الذي يعد من أخص خصائص الخطاب الفلسفي في الإسلام. وأكد على ان الفلسفة سجنت الإنسان بالعقل، وارتفع الفلاسفة عن قضايا الجمهور.

       لقد ارجع الباحث سبب التراجع والتقهقر في المجتمع العربي إلى الابتعاد عن التفكير في المسألة الدينية، بذلك ابتعدنا عن العقلانية الكلاسيكية التي كان الفكر الاعتزالي مسرحاً لها قديماً، وكذلك ابتعدنا عن عقلانية عصر النهضة، التي كانت مذهب مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، هذه المدرسة التي طالما بوّأت العقل المكانة اللائقة به، وعُرفت بإعماله. كما فعل أسلافهم من المعتزلة.

       وفي تأكيده على دور الحوار في حسم العديد من إشكاليات الفكر العربي المعاصر واقتحام الحداثة، يولِّي الباحث وجهه نحو علم الكلام، ويؤكد أن فيه يتحقق نموذج الحوارية، كما أن  سبل النظار (علماء الكلام) نحو الحقيقة أصوب من سبل البرهانيين (الفلاسفة). فعلم الكلام الإسلامي يمنحنا درساً مهماً في الاختلاف، خصوصاً مع فرقة المعتزلة الذين هرعوا إلى البحث بكل حرية، فحصل التعارض بينهم وبين زملائهم، وعارض التلميذ شيخه. يقول الباحث: «إن الجدل هو المنهج الأخصب والأجدى والأمثل للوصول إلى شاطئ اليقين وامتلاك ناصية الحقيقة»([7])، إن ما نجده في تراثنا يؤكد دوماً على أن الصواب وبلوغ الحقيقة لا يتم إلا بتضافر جهود المتحاورين، لذلك كان الجدل أجدى نفعا من البرهان في مسألة بلوغ الحقيقة. لأن الأول تكون نتيجته حصيلة لمجهودات عقلية للمتحاورين، لكن الثاني تكون نتيجته نابعة من مجهود عقل واحد هو عقل الفيلسوف الذي لا يكترث بالآخر، ولا يشاركه سبيل الوصول إلى ما يصبو إليه. وبالتالي ففضاء القول الكلامي الحجاجي يرحب بالآخر، سواء كان هذا الآخر موافقاً أو مخالفاً، وبالتالي فطريق الحجاج هو الذي يقبل بسلوكه للأنا والآخر في الآن نفسه.

     إن العقلانية العملية النافعة  تكون ثمرة مجهود بين أهل الحوار الذين سلكوا سبيل الحجاج، وبالتالي: «فبدون الحوار وفتح باب الاجتهاد، وتجاوز داء الكسل التبديع والتكفير، وتفعيل الفكر المقاصدي لن يتأتى لنا التحول من “كتلة سلبية” إلى “كتلة إيجابية” وتجاوز “سوسيولوجيا الثبات والجمود” نحو “سوسيولوجيا التغير والتقدم” وهو أمر لا مفر منه حتى لا نظل كالمغشي عليه الذي يتوهم أن الإغماء يخلصه من خطر الوحش المحيط به»([8]).

   نفهم من كلام الباحث في مجمل الكتاب، أن غياب الحوار هو سبب الداء وحضوره هو الدواء، لذلك سيكون – وهذه نتيجة ضرورية – الانغلاق هو سبب التخلف والتراجع، والانفتاح هو السبيل الوحيد والأوحد نحو تدشين عصر الازدهار والتقدم الذي طالما انتظرناه.



[1]   محمد آيت حمو، أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر، دار الأمان، الرباط، ط1. 1433هـ ــ 2012م، ص. 7.       

[2]  المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

[3]  المرجع نفسه، ص. 168.

[4]  المرجع نفسه، ص.169.170.

[5]  المرجع نفسه، ص. 192.

[6]  المرجع نفسه، ص. 192.

[7]  المرجع نفسه، ص.248.

[8]  المرجع نفسه، ص. 295.294.

مصطفى الرويجل

باحث بمركز الدراسات الرشدية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

ظهر المهراز

فاس