علامات استفهام

مراد العلالي

  لعل المتأمل في أحداث ذاكرته، سواء القريبة منها أو البعيدة، سيجد نفسه داخل قفص مغلق بأقفال حديدية، لا تحركه سوى رغبته في التحرر من هذا السجل المأساوي، ورغبته في التحرر من نفسه و البحث عن تجارب و أحداث جديدة، على الأقل تبعده عن مأساته الأخيرة، إن لم أقل عن رحلته الأخيرة.

   رحلة كان التاريخ فيها حاضرا يؤرخ للحدث. فالحياة بطبيعتها تنشد الاستمرار أو الديمومة بلغة برغسون، لكن ما الذي يجعلنا نستمر رغم ما يصيبنا من ألم و معاناة؟ فالإنسان يحيا إنطلاقا من أبعاد الزمان الثلاث الماضي، الحاضر، المستقبل. وكل من بعد هذه الأبعاد يغني تجربتنا الحياتية سواء بالفرح و السعادة أو الألم و المعاناة، الخير أو الشر، وربما هذا الأخير هو الذي فرض نفسه و احتل الصدارة داخل سجلنا التاريخي.

   وهذا ما جعل ماضينا ملطخا باللامبالاة و بالتجارب القاسية و باللاحياة إن صح الإصطلاح، حينذاك يبحث الإنسان عن الفرار من ماضيه و هذا الفرار لن يتحقق إلا بوجود ملكة النسيان كما يسميها نيتشه، التي لا تتوقف في منحنا طاقة جديدة للإستمرار. فلولا هذه الملكة لما استطعنا أن نحيا هذه الحياة بعد كل النكبات و النكسات، التي تلاحقنا أينما رحلنا و ارتحلنا و التي نمر بها كل يوم إن لم أقل كل لحظة من لحظات وجودنا الضائع، ولحظات خيبة الأمل التي تلقي بنا في التيه باحثين عن المعنى.

   كثيرة هي الصدمات و الهزات التي نتلقاها مرارا و تكرارا بشكل مباشر و غير مباشر من أقرب الناس إلينا، فنضطر إلى أن ننسى و كأننا ولدنا من جديد، و كأننا صفحة بيضاء لم يدنس شرفها بعد.

  ننسى لماذا إذن ننسى؟ وكيف ننسى من أساء إلينا و استغل طيبتنا و باع حبنا في مزاد النسيان؟ و تركنا ننتظر في محطة الأمل عودته إلينا، لماذا لا ننساه حتى نحن؟ إن العودة إلى الماضي داء فتاك عند البعض، فعندما نعود و نسترجع ذاكرتنا نجد أن هناك من تخلى عنا عند أول أزمة أصابتنا و استقل حافلة اللامبالاة وسافر بعيدا، لحظة كنا في الفراش ننتظر النهاية. فما أغرب هذا الوضع و ما أحقره، فماذا عسانا أن ننتظر من أناس لم يكونوا كرماء معنا إلا في الوجع و الألم؟ الذي منحونا إياه و حكموا علينا بالسجن داخل زنزانة الوحدة، وتركوا بداخلنا حقدا دفينا جعلونا نفقد الثقة في كل من سيأتي بعدهم. لماذا إذن لا نتعلم من جراحنا و نلغي من ذاكرتنا كل من تسبب لنا في الألم؟ لماذا لا نستطيع تمزيق سجلهم من حياتنا و نبدأ بكتابة صفحاتنا الجديدة، أليس هم من أصدروا شهادة نسياننا؟ إذن لماذا لا نبادلهم النسيان بالنسيان؟ و نقدم استقالتنا من وجودهم و نرسم خطة جديدة لتجاهلهم و نبادلهم بالمثل.

  فأقلامنا السوداء مازالت ممتلئة بالمداد لتخطط استقالات أخرى إن دعت الضرورة بعدما قتلنا الحلم الذي كان يجمعنا و المواقف التي كانت تحكمنا، فلماذا لا نعود بعد كل هذه النكسات التي أبت أن تفارقنا عند ديونزوس ليسقينا القليل من شربه لعله يكون لنا مضادا حيويا يقتل فينا كل الألم وما سببوه لنا من ضجر و عذاب و معاناة …؟؟؟