محكمة العدل الدولية ما بين المرتكزات القانونية والضغوطات السياسية

سامي السلامي

slami_122658557

 

    إن التجاذب والصراع داخل مجتمع دولي مبني على تناقضات في كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أدى إلى نشوء محكمة العدل الدولية كأداة قضائية رئيسية لمنظمة الأمم المتحدة للنظر في المنازعات القانونية بين الدول، متى كانت هذه المنازعات القانونية تتعلق بالمسائل التالية:
ـ تفسير معاهدة من المعاهدات.
ـ أية مسألة من مساءل القانون الدولي.
ـ تحقيق واقعة من الوقائع التي إذا ثبتت كانت خرقا لالتزام دولي.
ـ نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي ومدى هذا التعويض.
ما يدفعنا إلى طرح سؤالين محوريين يهمان عمل محكمة العدل الدولية باعتبارها الأداة القضائية الرئيسية لمنظمة الأمم المتحدة.
هل الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية تنبني على اعتبارات قانونية محضة أم أنها تتأثر بما هو سياسي؟
ما مدى إلزامية أحكام محكمة العدل الدولية للدول الكبرى؟ وهل تطبق على القوي كما تطبق على الضعيف؟

الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية ما بين القانوني و السياسي:
إن تحديد طبيعة الآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية يحيلنا إلى دراسة بعض منها ومن ثم تحديد البعد القانوني والأخلاقي للمحكمة من عدمه.
لقد أصدرت محكمة العدل الدولية العديد من الآراء الاستشارية ذات الطبيعة القانونية والقيمة الأخلاقية الكبيرة، حيث أفتت في رأيها الاستشاري الصادر بتاريخ 13/7/1954 فيما يخص إنشاء محكمة إدارية دولية للبث في منازعات الموظفين الدوليين سنة 1949 من طرف الجمعية العامة، أن أحكام المحاكم الإدارية الدولية ملزمة للمنظمات الدولية.
وفي خضم اعتراض القوى العظمى عن المساهمة في الميزانيات الخاصة بقوات حفظ السلام الأممية في سيناء (مصر) والكونغو، أفتت محكمة العدل الدولية بوجوب التزام الأعضاء التزاما قانونيا، للإسهام في تمويل المنظمة لمواجهة نفقاتها المختلفة الإدارية والاستثنائية على حد سواء، وذلك في رأيها الاستشاري الصادر بتاريخ: 28/07/1962.
هذا وفي فترة الحرب الباردة التي عرفت جمودا في عمل مجلس الأمن بسبب الاستعمال المتواتر لحق النقض (الفيتو) من قبل القوتين العظميين سعت الجمعية العامة لتوسيع سلطاتها حيث لجأت لمحكمة العدل الدولية في 22/11/1949 عارضة عليها مشكل ارتفاع طلبات الانضمام للأمم المتحدة الموضوعة على الرفوف بسبب الجمود السابق الذكر، مستفتيتا إياها إذا ما كان يحق للجمعية العامة طبقا للمادة الرابعة من الميثاق أن تصدر قرارا بقبول عضو جديد في الأمم المتحدة عند امتناع مجلس الأمن عن إصدار التوصية بقبوله سواء كان سبب ذلك عدم توافر الأغلبية المطلوبة أو استعمال الفيتو للاعتراض على توصية المجلس.
وفي 3/3/1950 أعلنت المحكمة عن موقفها والذي أكد عدم جواز قبول أي عضو قبل صدور توصية مجلس الأمن، شرطا لصدور قرار الجمعية بالقبول.
ونشير هنا إلى أن 21 طلب عضوية بالأمم المتحدة بقي على الرفوف إلى غاية 1955 حيث صوتت كل من القوتين العظميين في 14/12/1955 على توصية بقبول عضوية 16 دولة جديدة.
    إن حديثنا هذا عن الآراء الاستشارية السابقة الذكر ذات القيمة الأخلاقية الكبيرة، لا يحجب عنا بعض الآراء الاستشارية الصادر عن نفس المحكمة والتي تلونت بصبغة سياسية.
حيث رأت محكمة العدل الدولية في رأبها الاستشاري الصادر في 28/5/1948، أن المادة الرابعة من الميثاق تشترط في طالب العضوية خمسة شروط:
ـ أن يكون دولة مستقلة.
ـ أن يكون محبا للسلام.
ـ أن يقبل بالتزامات الميثاق.
ـ أن ترى المنظمة أنه قادر على الإيفاء بالالتزامات التي يتضمنها الميثاق.
ـ أن يكون راغبا في تنفيذ هذه الالتزامات.
فالشرط الأول تم تجاوزه بقبول كل من أكرانيا وروسيا البيضاء (عضويين مؤسسين) على إعتبار أنهما دولتين ذات سيادة، وذلك في إطار المساومات بين القوتين العظميين وإرضاء للإتحاد السوفيتي.
فيما يخص الشروط الأخرى نجد أنها مؤهلات ومواصفات فضفاضة ومطاطة وخاضعة للتيارات والأهواء والأمزجة، فكيف يمكن أن نحدد دولة محبة للسلام أو معادية له؟ وما المعيار الدقيق لتحديد ذلك؟
وبما أننا واثقون كل الثقة أن رجل القانون الدولي يضع القواعد القانونية لتنظيم العلاقات بين الفاعلين الدوليين، فإننا متيقنون نعم اليقين أن رجل السياسية وجد للركب على تلك القواعد واستغلال الثغرات التي أسهم في وجودها، الأمر الذي ينطبق على هذا الشرط، والذي استعمل في أول الأمر لمنع دول المحور وإسبانيا من الانضمام إلى الأمم المتحدة، والنص على هذا الشرط في الميثاق يعود إلى التباين في وجهات النظر التي سيطرت على واضعي المشروع.
كما أننا نرى أن تسييس محكمة العدل الدولية طال قرارها الصادر بتاريخ 24/7/2010 والذي يمكن اعتباره سابقة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث رأت أن الاستقلال الأحادي الجانب لإقليم كوسوفو الصربي لا ينتهك القانون الدولي، وهو ما مهد ضمنيا لانفصال جنوب السودان عن دولة السودان سنة 2011.
ألسنا أمام جهاز أممي رئيسي يسعى لتكريس السياسة الامبريالية القائمة على تقسيم المقسم وتفتيت المفتت؟ علما أن قرار الجمعية العامة رقم 2625 الصادر بتاريخ 24/11/1970 رأى أن تقرير المصير لا يكون إلا في حالة الاستعمار.
أحكام محكمة العدل الدولية ما بين قوة القانون وقانون القوة:
إن تحديد طبيعة أحكام محكمة العدل الدولية ومدى إلزاميتها يفرض علينا دراسة الحكمين الصادرين في أزمتي نيكارجوا و لوكربي.
أزمة نيكارجوا: أصدرت محكمة العدل الدولية في 27/6/1986 حكما يدين عدوان الولايات المتحدة الأمريكية على نيكارجوا وتسليحها للمعارضة المسلحة وتلغيمها شواطئ وموانئ ومطار نيكاراجوا، ما خلف 29 ألف قتيل إضافة إلى تدمير البلاد.
واعتبرت المحكمة أن تدخل و.م.أ في نيكارجوا غير شرعي ويمس بقاعدتين آمرتين هما: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول و استعمال القوة في العلاقات الدولية، طالبة و.م.أ بأداء تعويضات لنيكارجوا مترتبة عن خرقها للقانون الدولي.
إلا أن و.م.أ رفضت تطبيق الحكم وظلت متشبثة بأطروحتها المتهالكة المبنية على اعتبار أن تدخلها في نيكارجوا يدخل ضمن نطاق الدفاع الشرعي عن النفس نيابة عن حكومة السلفادور إثر تسليح نيكارجوا للمعارضة المسلحة في السلفادور.
ونعلم أن الدفاع الشرعي عن النفس طبقا لمقتضيات المادة 51 من الميثاق الأممي لا يكون إلا في حالة التعرض للعدوان، وفي هذا الباب كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة واضحة في تعريفها للعدوان في قرارها رقم 3314 الصادر بتاريخ 14/12/1974 والذي يتنافى تماما مع تكييف و.م.أ له، علما أن حكومة رونالد ريغان لم تتلقى أي تفويض من السلفادور للدفاع الشرعي عن النفس بالنيابة.
وادعت و.م.أ أن القرار لا يلزمها كونه صدر خارج صلاحيات المحكمة، على اعتبار أنها من الدول المنشأة لها وتتمتع بشروط واستثناءات خاصة جعلت القرار غير ملزم وامتنعت عن تنفيذه، وأعلنت أن اعترافها بالمحكمة لا يلزمها.
وهنا لو كنا أمام دولة ضعيفة لا حول ولا قوة لها لتم تفعيل مقتضيات المادة 94 من الميثاق الأممي والتي تنص على أنه في حالة امتناع دولة عن تطبيق حكم محكمة العدل الدولية فإن لمجلس الأمن التدخل بكل الوسائل التي يراها مناسبة ومنها الوسائل القسرية (استخدام القوة) قصد خضوع الدولة الممتنعة للحكم. فمن يستطيع إخضاع و.م.أ على اعتبار أنها القوة العظمى السائدة آنذاك والعضو الدائم بمجلس الأمن؟ !!
الجمعية العامة في الأمم المتحدة التي أدهشها عدم انصياع الولايات المتحدة للحكم قامت بتمرير قرار لمجلس الأمن يدعو جميع الدول للإذعان للقانون الدولي تستهدف بذلك الضغط على الولايات المتحدة لدفع التعويض لنيكاراجوا، لكن و.م.أ أفشلت سعي الجمعية العامة باستخدام (حق الفيتو) ضد مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي دعا جميع الدول للإذعان للقانون الدولي، وقد صوت لصالح موقف الولايات المتحدة دولتان فقط هما: السلفادور التي لديها نزاع مع نيكاراجوا وإسرائيل.
وفي النهاية نجحت و.م.أ في تغيير نظام الحكم القائم بعد الانتخابات الرئاسية في فبراير 1990 وذلك بسقوط حزب جبهة التحرير الساندينية الذي يتزعمه دانيال أورتيغا، وأسفرت الانتخابات عن انتخاب مرشحة المعارضة “فيولتا باريوس دي شامور”ّ  رئيسا لنيكاراجوا وهي امرأة من اتحاد المعارضة الوطني المكون من 14 حزبا معارضا للساندينينستية، وما كان من هذه الأخيرة إلا التراجع عن المطالبة بالتعويضات التي حكمت بها محكمة العدل الدولية وتجنيب و.م.أ الاحراج.
أزمة لوكربي: أظهرت أزمة لوكربي ضعف محكمة العدل الدولية وسعيها لتلافي الاحتكاك بمجلس الأمن رغم قفز الأخير على صلاحيتها ومعالجته لمسألة قانونية ضمن إطاره السياسي.
فبعد تفجير طائرة بام أميركان في بلدة لوكربي الاسكتلندية (1988) اتهمت و.م.أ وبريطانيا وفرنسا، ليبيا بوقوف مواطنيها: “عبد الباسط المقرحي” و “الأمين خليفة فحيمة” وراء الحادث مطالبين تسليمهما لمحاكمتهما وهو ما رفضته ليبيا رفضا قاطعا علما أن قانونها يمنع تسليم الرعايا الليبيين، ما جعل الدول الثلاث تستصدر قرار عن مجلس الأمن رقم “731” بتاريخ 21/1/1992 يطالب ليبيا بتسليم المتهمين والتعاون مع الدول الثلاث، ما جابهته ليبيا بتفعيل المادة 33 من الميثاق الأممي واللجوء إلى محكمة العدل الدولية بتاريخ 3/3/1992 لتفسير معاهدة مونتريال (1971) الخاصة بمكافحة الأفعال الغير شرعية الموجهة ضد أمن وسلامة الطيران المدني، خصوصا أن الاتهامات الموجهة لليبيا تدخل ضمن أفعال نصت عليها الاتفاقية (المادة 14).
إلا أن المحكمة رفضت طلب ليبيا حول الاجراءات التحفظية ضد كل من و.م.أ وم بريطانيا وفرنسا متذرعة بأن قرار مجلس الأمن رقم 748 (العقوبات الاقتصادية والعسكرية والحظر الجوي علي ليبيا) سلب منها اختصاصها في هذا الشأن بعد أن غير ظروف النزاع، في حين أنها في واقع الحال كانت تسعى لتفادي الاحتكاك بمجلس الأمن.
وفي خضم هذا السكوت الفاضح لمحكمة العدل الدولية، قام مجلس الأمن باستصدار قرار ثالث “883” بتاريخ 11/11/1993 يعمل على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على ليبيا، ما أدى إلى تحويل مجلس الأمن إلى أداة لاتخاذ موقف قانوني وقضائي في حين أنه جهاز سياسي في المقام الأول، يخضع لأحكام الميثاق التي تنص صراحة على ضرورة إحالة الجوانب القانونية للمنازعات إلى محكمة العدل الدولية للبث فيها.
وبعد تعاطف دولي كبير مع ليبيا إثر تحركها الدبلوماسي الواسع النطاق والفعال، صدر حكم محكمة العدل الدولية بتاريخ 27/2/1998 يقضي باختصاصها في النظر في قضية لوكربي، وعلى إثره أصدر مجلس الأمن قراره “1192” بتاريخ 28/8/1998 يقبل بالمقترح الليبي القاضي بمحاكمة المتهمين أمام قضاء طرف ثالث غير الأطراف المتنازعة.
نقف متفاجئين مع تعاطي محكمة العدل الدولية لقضية لوكربي كما وقفنا مشدوهين أمام امتناع و.م.أ عن تطبيقها لحكمها الملزم في قضية نيكارجوا، ونرى أن الصمت الفاضح للمحكمة في قضية لوكربي مس نوعا ما بمصداقيتها، حيث رفضت النظر في القضية لمدة سبع سنوات تاركة الشعب الليبي وسط ويلات الحصار الاقتصادي الذي أنهك ليبيا وأرجعها 20 سنة للوراء وفرض عليها منطق جديد في علاقاتها بالغرب متسم بالرضوخ للتفاوض والتنازل لتسوية جميع الملفات العالقة.
لن نكابر ونجادل في القيمة الأخلاقية لمحكمة العدل الدولية منذ نشأتها، إلا أننا تقول أن واقع الحال وتغير موازين القوى داخل المجتمع الدولي فرض عليها مراجعة عملها وتكييف وجودها جنبا إلى جنب مع مجلس الأمن الذي عمد خلال العقدين الأخيرين إلى التدخل في المساءل القانونية الخارجة عن نطاق صلاحياته.
لذا نرى وبكل مصداقية، أنه يتوجب على الدول الضعيفة والتي تعد موضوعا للعلاقات الدولية العمل على بناء نفسها من جديد عن طريق وضع مخططات واستراتيجيات واضحة المعالم في كافة الأصعدة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، تستهدف تغيير وضعها داخل المجتمع الدولي في إيمان منا أن لا شيء يعلو فوق صوت القوة وأن القانون مجرد وسيلة في يد الدول القوية كالولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر

http://www.samisoullami.com