جارودي : هل كانت هناك نهضة حقيقية في الغرب المسيحي؟

فريق التحرير

1006319_151491898387887_1742047738_n

  بقلم يوسف الحلوي

         لكلام روجيه جارودي أثر عميق في أوساط الفكر والفلسفة في العالم بأسره نظرا لمجموعة من الاعتبارات ، فالرجل الذي بدأ حياته ماركسيا وانتهى مسلما لا شيء عنده يعلو على النقد حتى إيمانه نفسه ، وقد دفعه بحثه عن الحقيقة نحو دراسة العديد من المذاهب والأديان كما دفعه فضوله العلمي إلى الغوص في مجاهل التيارات الفلسفية والوقوف على أثرها في حياة الناس فناقش الوجوديين والشخصانيين والبنيويين وغيرهم بتجرد عز نظيره عند غيره من المفكرين  ، ثم إنه مافتئ يشهر سؤال الغاية  والهدف في وجه كل هذه التيارات والمذاهب دون تقيد بمرجعية غير مصلحة البشرية جمعاء ، فهو نموذج للمثقف والفيلسوف المنتمي إلى الإنسانية بمعناها الواسع ، يردد على مسامع الأمم والأفراد دائما ذلك السؤال المقلق إلى أين يسير الإنسان  ؟ .

 

       إن مفتاح فهم شخصية روجيه جارودي قبل فكره وفلسفته يكمن في الحدث الذي مثل منعطفا حاسما في حياته ، والذي يسوقه هو نفسه في معرض حديثه عن ممارسته للنقد الذاتي وما ترتب عنه من تغيرات على مستوى القناعات ، اعتقل روجيه جارودي رفقة مجموعة من المناضلين والمناهضين للنازية الهتلرية ونقلوا إلى معسكر  جنوب الجزائر ، وردا على تمرد قاموا به  أمر قائد المعسكر جنوده بإطلاق النار عليهم فرفض الجنود الامتثال ، وقد علم جارودي لاحقا أنهم في جنوب الجزائر يرون أنه من العار إطلاق النار على رجل أعزل ، فولد يومها من جديد وأعلنها دون خجل ” إني مدين لهؤلاء المحاربين المسلمين ” .

 

        أيقن جارودي أن هناك قيما مشتركة بين الناس مهما كانت ألوانهم وأعراقهم وانتماءاتهم فأيقظ ذلك بداخله شعورا من الغضب تجاه الغرب الذي ينتسب إليه ، وتجاه حضارته التي تحاول السيطرة على الكون بقوة الحديد والنار دون مراعاة لهذا المشترك الإنساني الذي يكفل لوحده دون غيره للناس أن يعيشوا بطمأنينة وسلام .

 

       يعرض جارودي في كتاب ” حوار الحضارات” وفي “الولايات المتحدة طليعة النحطاط ” و ” حفارو القبور ” و ” كيف صنعنا القرن العشرين ” لقضايا جوهرية حساسة تمس ماضي وحاضر الحضارة الغربية ومستقبلها وتعبر عن موقفه بوضوح من هيمنة لغة القوة على مسرح الأحداث الدولية محملا في ذلك كله المسؤولية بكاملها لقادة العالم الجدد .

       إن أول مفهوم يعرضه روجيه لمجهر نقده الذي لا يرحم هو مفهوم النهضة الذي ينزع عنه طابع القداسة ،يقول في مقدمة كتابه “حوار الحضارات ”    ” لم يبق عصر النهضة معجزة كما لم تبق ثمة معجزة يونانية “، إنه  نقد موجه لأصول حضارة الغرب ، فالنهضة غيرت بنية العلاقات داخل المجتمع الأوربي وخلخلت الكثير من المفاهيم وأعادت تشكيل علاقة الإنسان بالطبيعة وبالإنسان وبالإلاه ،وإذا كانت ثمرة النهضة هي ما عاناه العالم في الماضي من مجازر أتت على حضارات بأكملها مثل حضارة الهنود الحمر الذين أبيد وا عن آخرهم دون جريرة اقترفوها وما عانته البشرية جمعاء في حربين كونيتين أتتا على الأخضر واليابس وتسببتا في إبادة ما يفوق مائة مليون نفس بشرية وهي ما عاناه العراقيون الذين دفن منهم الآلاف أحياء بعدما ألقي عليهم في أربعة أيام من القصف ما يعادل خمس مرات ما تم إلقاؤه في هيروشيما، فإن هذه النهضة لم تبن على أسس سليمة، فعلاقة الإنسان بالطبيعة تحولت بفعل النهضة إلى علاقة فاتح براضخ فاستباح الإنسان تبعا لذلك لنفسه تدمير الطبيعة وتدخل في نظام حركتها تدخلا سافرا وهداه تسلطه إلى صنع سلاح قادر على تدمير الكرة الأضية سبع مرات في أهون التقديرات وتسبب في ثقب طبقة الأوزون لأنه مكبل بمصالحه الآنية في علاقته بالطبيعة التي تمثل مصدر عيشه الوحيد واجتث الغابات وأفنى أنواعا لا حصر لها من الكائنات ، وأما علاقة هذا الإنسان بأقرانه فتحكمها إرادرة الربح والسيطرة ،تلك الإرادة التي حركت فيه الرغبة في تدمير الآخرين دون شفقة ولا رحمة.

 ثم كان أن تحرر الغربي بسبب النهضة تدريجيا من الكنيسة وأعلن لاحقا موت الإله ليبيح لنفسه الانعتاق من الأعباء التي تفرضها عليه الأخلاق الدينية في حركاته وسكناته  وفي ذلك قال نيتشه قولته الشهيرة “مات الله تحرر الإنسان”

غير أن تحرر الإنسان على هذا النحو عند جارودي هوى به إلى الحضيض فصار كل واحد إله نفسه لا يستمد قيمه إلا من مصالحه الذاتية وشهواته.

 

      لقد أنتجت النهضة إنسانا غربيا يتماهى مع النموذج ” الفاوستي ”  يقول  جارودي ” إن فاوست هو الرمز المأساوي لثقافتنا الغربية ” وفاوست هذا هو الكيميائي الذي تروي الحكاية الشعبية الألمانية التي حولها غوته إلى عمل مسرحي أنه باع روحه للشيطان مقابل حصوله على السعادة وليست السعادة عنده غير لذة الجسد أما الروح فوديعة عند الشيطان  ، هذا هو حال الغربي كما يراه جارودي رجل يركب صهوة دماغه وشهواته حاملا شعار ” بدماغك القوي يافاوست صر إلها ” فهو سيد العناصر كلها وليس ثمة غير الغربي في كل أرجاء الكون .

وقد التفت جارودي إلى أنه منذ النهضة المزعومة لم يحدث أن أعاد الغرب حساباته وأن النموذج الأمريكي الذي أعلن فوكوياما  “نهاية التاريخ ” لصالحه  -فأضفى بذلك على الليبرالية صفة البقاء والخلود  لأنها تمثل في نظره أرقى ما بلغه النضج البشري في التدبير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ولأنها تعلي من شأن الحرية والمساواة –   ما هو في الحقيقة إلا طليعة للانحطاط القيمي الغربي .

 

       إن أمريكا بالنظر إلى نشأتها هي بنت التوسع الاستعماري الذي غذته النهضة المزعومة وليس ثمة مايشير إلى أن العمل الذي بدأه الإسبان في حروب الاسترداد وما صاحبه من جرائم محاكم التفتيش قد انتهى عام 1492م بخروج المسلمين من الأندلس، فقد امتد الاستعمار الصليبي ،الذي جسد لفترة طويلة روح النهضة الغربية ، نحو أمريكا وبنى حضارة هجينة على أنقاض الحضارة الهندية الأصلية التي تعرضت لإبادة شنيعة ثم عاد من وراء البحار اليوم  لينشر الدمار ، وعلى مدار خمسة قرون لم يتوقف فاوست عن مد الحضارة الغربية بما تحتاجه من الإلهام ،يقول جارودي ” لقد كان عام 1992م مخلدا أيضالذكرى مرور خمسمائة عام  على سقوط غرناطة آخر مملكة للثقافة الأسلامية في إسبانيا و الجسر الأخير بين الشرق والغرب،  ظلت قرطبة طوال ثلاثة قرون مركزا لإشعاع العلوم والفلسفة والآداب    والفنون إلى كل أوربا “.

 

      ويضيف ” إن ما درجنا على تسميته ” اكتشاف أمريكا ” وتصفه اليونسكو على استحياء ب”التقاء الثقافات ” ويحتفل به البابا جون بول الثاني بزهو كأنه “تبشير بالإنجيل للعالم الجديد ،هو في عام 1992م الاحتفال بمذابح الهنود وبداية العهد الاستعماري في التاريخ الحديث ” .

 

       إن فرضية المراجعة النقدية التي تنتج سلوكا مغايرا للسلوك الذي أنتجته النهضة وتفضي إلى صناعة نموذج ثائر على النموذج الفاوستي يختفي تماما عند روجيه حين يخلص إلى أن الحضارة الغربية أذعنت لمشيئة هتلر وأن هتلر انتصر في نهاية المطاف ودفع الغرب قدما نحو عبادة الذات وتأليه مصالحه المادية ، طبعا هذا لا يعني أن الغرب كله يعتنق مذهبا واحدا ولا ينفي وجود ثلة من الحكماء الغربيين الذين دعوا إلى الثورة على فلسفة النهضة وآثارها الممتدة في جسد الحضارة الغربية ولكن مد الفاوستية أقوى من تلك الأصوات الحكيمة مجتمعة ولا صوت يعلو على صوت فاوست في الغرب إلى اليوم .

يضع روجيه يده على مكمن الخلل في البناء الحضاري الذي وضعت النهضة أساسه فينقل تساؤل مالرو العميق ” حضارتنا هي الأولى في التاريخ التي إذا طرح السؤال الأهم ما معنى الحياة ؟ أجابت لا أعرف ،على مدى قرن فشلت كل محاولات الإجابة ومن ثمة يكون روجيه قد أجاب عن سؤال “هل كانت حقا نهضة؟ ” بسؤال شائك  “إلى أين قادت النهضة الغرب والعالم من خلفه ؟”