بعض من أيام المستضعفين يوميات يوسف الحلوي (الحلقة2 )

فريق التحرير

                        في الطريق إلى …

   عدت إلى منزل والدي لأنعم بالعيد رفقة أفراد أسرتي.. أيام العيد منذ وعيت على الدنيا من  أجمل أيام حياتي، أتزود من مسراتها بما يكفي لأواجه متاعب سنة بأكملها، بقناة لا تلين وعزيمة لا يتطرق إليها ملل.. مر عيد الأضحى بسرعة البرق، وكذلك كل الأوقات الجميلة لا نحس لها بوقع، إلا كما يحس المستيقظ من سنة نوم خفيفة بحلاوة النعاس… بعيد العيد وجدت هاتفي يرن بإلحاح شديد، وعلى الجهة الأخرى للخط، وجدت شريكي في العمل يطلب مني أن أسافر إليه من فوري لأمر هام.. قمت بتغيير ثيابي وحملت حافظة النقود وبطاقة تعريفي الوطنية، ويممت شطر المحطة، طوال الطريق الرابط بين تيسة وفاس، لم يتوقف هاتفي عن الرنين، كان صاحبي يستعجلني.. اتفقنا على أن نلتقي أمام سينما  “أمبير”   وفي تمام  الساعة الثالثة بعد الزوال كنت واقفا أمام السينما، وأنا أتأمل ملصقاتها الإشهارية التي حملت صورا لفيلم بوليسي  أمريكي… وإذا بمجموعة من الرجال بزي مدني يداهمونني،  وقع المفاجأة كان شديدا عليّ.. لم أفهم في بادئ الأمر ما الذي حدث، رحت أسألهم عن هويتهم، فانهالوا علي بلكمات متتالية أفقدتني توازني فسقطت أرضا والدم ينزف من أنفي.. عندما وضعوا الأصفاد في يدي أدركت أخيرا أنني في أمان… لم يكن هناك أي داع للخوف، فالأمر لا يتعلق بلقطة سينمائية مستوحاة من الفيلم المعروض في “أمبير” حيث تهاجم العصابات المارة وتقتلهم، بل بواقع مر يستحيل فيه الأمن أن يقلد رجال العصابات… أربعة رجال أقوياء البنية قاموا بجري عنفا دون أن يتوقفوا لحظة عن ضربي بأيديهم وأرجلهم، أدخلوني إلى سيارة رابضة بجوار السينما حيث وجدت صاحبي مكبلا بدوره منكس الرأس والأسى باد على محياه.

بدأ الاستنطاق داخل السيارة، لم يتركوا لي الفرصة لأستجمع شتات ذهني.. تدفقت عليّ أسئلتهم دون نظام، كانوا يتكلمون دفعة واحدة، ومع كل كلمة تنهال علي الصفعات من كل جانب… تكلم يا ابن الـ… ماذا تعرف عن هذه  الجريمة ؟ سندفنك حيا.. تجمد الدم في عروقي، فمعنى أن أدفن حيا، أن الخطب جسيم…  قلت … أليس من المفروض أن أعرف عن أي جريمة تتحدثون؟ آه نسيت أنك معلم، هل ستعلمنا المفروض يا ابن القـ…. أتظن نفسك أمام تلاميذك الحمقى؟ من الآن فصاعدا ستجيب على قدر الأسئلة الموجهة إليك وكفى.. وقال آخر:  إنه ذكي يحاول أن يوهمنا ببراءته، كانت السيارة تطوي الأرض طيا.. وسألني كبيرهم : ستـأخذنا للمنزل الذي كنت تصنع فيه الأوراق المالية المزيفة أليس كذلك ؟ وأتبع حديثه بنظرة جانبية قاسية سرت من هولها في جسدي قشعريرة باردة من رأسي إلى أخمص قدمي، قلت وأسناني تصطك من شدة الخوف: لا أعرف عن أي منزل تتحدثون؟ إنني لا أفهم شيئا.. أومأ إلى السائق برأسه بإشارة خفيفة ثم قال: ستفهم قريبا كل شيء، لسنا في عجلة من أمرنا، وارتفع صوته بشكل مفاجئ وهو يتوعدني… أقسم أنني سأمزقك إربا، إذا لم تتكلم..  انفجر صاحبي باكيا وهو يسمع تهديد الضابط فنظرت إليه ولسان حالي يقول:

لقد كنت أولى بالدمع منك مقلة       ولكن دمعي في الحوادث غالي

  وقبل أن أتفوه بشيء، كانت السيارة تتوقف أمام مبنى ولاية الأمن.. وكم وددت حينها لو أن الطريق طالت… كنت أعرف جيدا ما الذي ينتظرني هناك، حتما لن يقف أمامهم شيء أذا أرادوا تمزيقي إربا، وقد لمست كم هم جادون في كل ما يقولونه منذ الوهلة الأولى للقائي بهم… لطالما بعث زي الأمن الرعب بداخلي، ولطالما تحاشيت الطريق التي يمر منها الساهرون على حمايتنا، لكنني لم أتصور مآلي حين يضمني مبنى الأمن المخيف إلى أحضانه…

في الحلقة القادمة

في الغد أحضروا فوجا آخر يضم ثلاثين شخصا فتقلص مكاني تلقائيا، حشر يومها ثمانية أشخاص في دورة المياه، واتخذ الباقون وضع السلسلة في نومهم، حيث ينام المرء جالسا ومستندا في الوقت ذاته بظهره على رجلي زميله، وكثر التدافع بين النزلاء بشكل تلقائي فتطايرت الشتائم…