الخبز المسموم..

علي عبيد
(قصة حقيقية لطلبة جامعيين)..

اكترى عطوش بيتا مربع الاضلاع بعد ان رماه القدر الى مدينة بعيدة من اجل متابعة الدراسة الجامعية. كان الثمن جد مرتفع بالنسبة له؛ مما دفعه الى ان يستعين ببعض اصدقائه في ذلك.
أصبح البيت الصغير يحوي أربعة أشخاص دون عطوش. إضافة إلى ما يحتاجونه في حلهم، وربما في ترحالهم حتى. ولأن الفقر يكاد يغتالهم، كانوا يحضرون الدقيق من البادية، ويصنعون منه خبزا كالحجر في صلابته. المهم انهم تأقلموا مع ظروفهم الخاصة، حتى المنحة الجامعية لم تسمنهم ولم تغنهم من جوع؛ لأنها لا شيء. مرة يأكلون ويشربون. ومرة يداعبون ضجيج البيت بأصوات تصدر من عصافير قد اتخذت من بطنانهم الجوفاء مسكنا لها.
وبينما هم على حالهم ذاك، حتى وجدوا انفسهم يستقبلون أشخاصا كثر. وبالضبط في فترة الأكل والشرب. ولأن اهل البيت صاحبوا السكوت فإن أولئك الأشخاص قد وجدوا فيهم ضالتهم.. يأكلون ويشربون وينامون ويتغوطون.. كل شيء هنا مجانا. احيانا يصل العدد الى عشرة أشخاص. والغريب في الأمر أن من أولئك الأشخاص من لهم مسكن في الحي الجامعي اوغيره، ولكنهم يحجون الى بيت عطوش مثنى وثلاث ورباع. ويقولون لهم:
ـ جئناكم حبا فيكم.. وما في المزاحمة الا الرحمة. (الاتساع في الخاطر).
ولما مر شهر على حالهم ذاك.. رأى أصحاب البيت ان الخبز المسموم لم يقتل سوى عصافير بطونهم. اجتمعوا ليلا خارج البيت . وفكروا في حل لمشاكلهم العويصة. قال عطوش بعد صمت طويل:
ـ لنصارحهم دون أي نفاق.
وافقه الأربعة على ذلك. حتى انهم تكلموا بغير حكمة. وكان صديقهم زعطوط اكثرهم كلاما. واتفقوا على ان يخبروا الحقيقة جهارا. ولما فعلوا ذلك في استحياء، رحل العابرون في غضب.
عاد الهدوء من جديد، وابتسم الفرح لهم اكثر مما ابتسموا له.. وقبل أن تجد الشمس مكانا لها في كبد السماء، خرج عطوش واستلف دريهمات معدودة من صديق له. واحضر بها خبزا ساخنا ونصف كيلوجرام من العدس. فصنعوا طعاما شهيا.
وما إن شنت حربهم في دنيا العدس حتى عاد الرعاة بعَجَاجيلِهِمُ العجاف. ودخلوا المرعى في الوقت المناسب. ثار اهل البيت وقالوا لهم بصوت يسكنه الغضب:
ـ حتى الخبز المسموم لم نأكله في راحتنا؟!..
وهنا قال أحد الرعاة بوجه مشرق يتوسطه أنف طويل:
ـ لقد اتصل بنا صديقكم زعطوط، وأخبرنا انكم قد اشتقتم الينا.
وهنا بَرطَم عطوش في وجه زعطوط وقال له:
ـ لنا معك حديث طويل..
وبعد ان بقي الخمسة في البيت. سألوا زعطوط عن فعله ذاك. فأخبرهم بصوته الرقيق الذي هو عكس جسمه المنفوخ قائلا:
ـ لأنني لم أشعر معكم بالأنس.. اريد ان ادخن. اريد ان اتصور على ظهركم. اريد ان أبدو كريما. اريد ان يقال عني انني غني. إضافة إلى انكم احضرتم معكم قبل أيام صديقا لكم. ومكث عندنا ثلاثة أيام بلياليها..
أوقفه صديقه المقرب منه قائلا:
ـ لعنة الله عليك يا ابن الــ…
ثم قال الثاني:
ـ إننا طلبة.. كلنا سواء أيها المنفوخ بالشر والنفاق.
ثم قال الثالث:
ـ قبحك الله يا وجه النحس.. ألم تعرف اننا لا نملك حتى قوت يومنا ! فكيف بنا أن نتصدق من لا شيء؟..
قام عطوش من مكانه متكلما ومشيرا الى حقيبة زعطوط:
ـ لا نقبل العيش مع شخص يقتل صديقه ويصلي في جنازته.. وأنت يا زعطوط لَتعلم علم يقينا اننا ما أحضرنا ذاك الصديق إلا لأنه جاء من مكان قصي عن هذه المدينة. وليس له اهل ولا بيت هنا.. والآن أرنا ظهرك قبل ان ترى وجوها يتطاير منها شرر كالقصر كأنه جمالات صفر..
وهنا انتهى لون من الوان المعاناة التي يتقلب فيها الطالب الجامعي.. واتسع بذلك البيت لثلاثة أشخاص رابعهم عطوش. بعد أن ذهب زعطوط الى حيث الألم الحقيقي. عله يجد مكانا بين اناس يقبلون بأن يأخذ صورا على حائطهم القصير. وليموت شيئا فشيئا بسبب السم الذي اودعه فيه الخبز المسموم.

…………..
علي عبيد