الإنسان ذلك الفاعِل المنفعل

جواد البلدي

   gawad

   قديما تحدثت الفلسفة عن الإنسان باعتباره ذلك الكائن الذي بمقدوره تجاوز الفكر الأسطوري، والتخلي عن كل الترهات والتصورات الخرافية واستبدالها بفكر عقلاني منطقي مؤسس على أقيسة منطقية محكمة، ومبني بمنهج رصين ومُتثبَّت من يقينيته، وقبلها تحدثت كل الديانات السماوية عن كون الإنسان هو ذلك المخلوق الذي شرفه الله بالعقل وميزه عن باقي العجماوات، واستخلفه في الأرض ليعمرها وليؤدي الرسالة التي أنيطت به ” إخلاص العبودية لله” وحتى تتحقق هذه المهمة أمر الخالق كل الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، وأمر الإنسان نفسه أن يعامل بعضه البعض بالنظر إليه كإنسان، ليس في أشكال التواصل العلائقي فحسب في الحياة اليومية، بل في كل حيثيات الوجود الإنساني، ولعل هذا ما كان قد أشار إليه أرسطو طاليس (384 -322 ق م) في مؤلَّفه ” الأخلاق إلى نيقوماخوس” حينما تحدث عن نموذج الصداقة التي ميز فيها بين ثلاثة أنواع : المتعة والمنفعة والفضيلة، وأثبت أن النوعين الأولين زائلتين لأن أساسهما مصلحي نفعي متغير، في حين أن الأساس الأخلاقي (أساس كل الفضائل) والنوع الثالث من الصداقة ، يجعل من هذه الأخيرة صداقة دائمة وثابتة. 

     هذا الطرح أكده حتى باقي الفلاسفة المسلمين، الذين عالجوا مجموعة من القضايا الفلسفية وفق منظور يتلائم مع مقتضيات الشريعة كنموذج العلاقات الإنسانية هذه، خصوصا مع ابن مسكويه في كتابه ” تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”، ولم يخرج التصور الكانطي عن هذا الطرح، إذ أكد هو الآخر على ضرورة معاملة “الإنسان دائما وأبدا وفي جميع الأحوال كغاية في ذاته وليس كمجرد وسيلة ” لأن هذا هو عينه ما يمليه الضمير الأخلاقي أو الواجب الأخلاقي على الشخص، كذلك أشار العديد من المفكرين والفلاسفة إلى أن قيمة الإنسان تكمن في فكره (مع باسكال)، وفي احترام إنسانيته وكرامته (مع فلاسفة الأنوار) وفي عدم النظر إليه كآلة ميكانيكية (مع ماركس وأنصار مدرسة فرانكفورت ) وفي مراعاة كل حقوقه بما في ذلك عدم التدخل في تعديل جيناته البيولوجية قبل ولادته (كما أقر بذلك هابرماس) …الخ. 

   لكن ماذا نرى في الواقع؟ بنظرة بسيطة نجد أن الإنسان تم تشييئه مثل باقي الموضوعات الخارجية، فعومِل بطرق وحشية في كثير من الأحيان، وتم تجريده من أهم حقوقه “العيش الكريم” وصودرت ممتلكاته بذريعة خدمة المصلحة العامة، ويتقاضى أزهد الأجور في معامل البورجوازية العفنة بذريعة أنه غير مؤهل، والأكثر من ذلك أن جهل الإنسان جعله يستغل الإنسان في أبشع الصور، خصوصا عندما يستعمل كوسيلة أو قنطرة للمرور إلى الهدف، ولقضاء بعض الأغراض، وأبسط مثال على ذلك ما نراه يوميا في الأزقة والشوارع التي نشاهد فيها كيف يستعمل الإنسان في التسول (الأطفال بالخصوص) وتشغيل الفتيات الصغار في البيوت عوض إرسالهم إلى المدرسة، وتشغيل الأحداث في المصانع والورشات لجني مزيد من المال، ثم توظيف هذا الإنسان كذلك لجر العربات في الأسواق مثل الحصان، ومن جهة أخرى ترشق جمجمته بالعصي المخزنية إذا قال “أريد حقي الذي انتهكتموه أيها الظالمون” ويتم تعذيبه بأبشع الطرق إذا قال كلمة حق في مسؤول سياسي أو ما شابه… وغيرها من التجليات التي تبرز بالملموس أنه لا يعامل الإنسان كإنسان، وتبين مدى بعد النظرية عن التطبيق ومدى طوباوية بعض الشعارات الواهية، التي بها وباسمها يستغل الإنسان. فهل هذا هو معنى الإنسانية التي تحدث عنها الفلاسفة والحكماء؟ أليس من حق هذا الكائن أن يحيا لا أن يعيش وفقط ؟