خرافة الإرهاب: ما بين أحداث 11 شتنبر والعمليات الجهادية بسوريا.

سامي السلامي

 slami_122658557

 
حينما يبلغ نظام سياسي لمرحلة يطلق عليها في العلوم الطبيعية “بالحد الأقصى من سعة الأكسجين في الرئة”، يكون اللجوء لإشعال فتيل الحرب مع دولة أخرى الوسيلة المناسبة لتصريف المشاكل الداخلية التي تهدده عن طريق تحريك فزاعة “العدو”.
 
و لقد عرف العقدين الأخيرين تطورا خطيرا على الساحة الدولية وخصوصا في وطننا العربي، حيث أصبحت صناعة الجماعات الجهادية آلية استخباراتية بديلة للحد من مطالب الشعوب وتخويفها بفزاعة أخرى و هي “الإرهاب”، وذلك في استنساخ تام للنموذج الأمريكي لما بعد أحداث 11 شتنبر.
أحداث11 شتنبر وتكريس الهيمنة الأمريكية:
 
انقسم العالم بعد أحداث 11 شتنبر 2001 ما بين طرف متعاطف مع الولايات المتحدة الأمريكية (و.م.أ)، وآخر متبني لنظرية المؤامرة الكبرى ومشكك في الأحداث.
 
لسنا هنا بصدد الدخول في جدلية مصداقية تلك الأحداث من عدمها بقدر ما نحن مهتمين بتحليل مدى تداعياتها على الخارطة السياسية الدولية، لكن لا ضرر في إعطاء بعض النقاط الهامة حولها قبل التحول نحو دراسة البعد الاستراتيجي منها.
 
بعد تلك الأحداث تساءل العديد من المتتبعين للمشهد الدولي عن كيفية قيام تنظيم القاعدة بتلك العملية، خصوصا وأن بن لادن كان من صنع و.م.أ بعد غزو الاتحاد السوفيتي السابق لأفغانستان (1979)، وكيف له القيام بها وحده في التراب الأمريكي، إذ أن المنطق يقول أن عملية مثلها لن يستطيع القيام بها سوى أشخاص عاشوا على الأراضي الأمريكية وخططوا لها لمدة طويلة وبسرية تامة؟ !!
 
ومن ثم، كيف يمكن تخطيط و إنجاز عملية بكل تلك الدقة المتناهية و تلك التعقيدات من كهف بكهوف أفغانستان؟ وكيف أمكن لأسامة بن لادن تمويلها وكل حساباته مجمدة منذ سنة 1998؟ و لماذا لم تستطع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التنبؤ بوجود تهديدات لأراضيها مع أن و.م.أ تتوفر على 26 خدمة سرية بميزانية تفوق 30 مليار دولار سنويا؟
 
هي ليست أسئلة بريئة بطبيعة الحال، والإجابة عنها تمثلت جليا في عجز و.م.أ نفسها في إعطاء أدلة وتفسيرات واضحة لها.
 
حينما سئل زينجو بيرزينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق “كارتكر” (1977 ـ1981)، هل هو من أنصار نظرية المؤامرة في ما يخص أحداث 11 شتنبر؟ أجاب قائلا: “نعم، نعم، .. تعودنا على أن يكون لنا عدو كل سنة.”، هي مقولة لن نمر عليها مرور الكرام خصوصا إذا علمنا أن و.م.أ تدرك أن خللا ما أصاب مسيرتها وهو غياب العدو الاستراتيجي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، و هو ما عبر عنه غورباتشوف (1985 ـ 1991) حينما خاطب الأمريكيين قائلا: “سأحرمكم من شيء ستندمون عليه، ألا و هو العدو”.
 
يمكن أن نقول أن أسطورة محاربة الإرهاب لم تكن سوى إستراتيجية لابتكار “عدو افتراضي و مجهول” كمرحلة من مراحل السياسة الأمريكية التي تتميز بالاستمرارية، قصد السيطرة الشاملة على العالم وتكريس الأحادية القطبية.
 
الجنرال الأمريكي المثير للجدل “ويسلي كلارك” خرج في أحد شطحاته الإعلامية سنة 2007، قائلا: “من كان يظن أننا خرجنا لأفغانستان انتقاما لأحداث 11 شتنبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام، لا نريد أن يبقى الإسلام مشروعا حرا يقرر فيه المسلمون ما هو الإسلام.. نحن نقرر لهم ما هو الإسلام”، كما لو أنه يبعث لنا رسالة واضحة المعالم مفادها أن “الإمبراطورية الرومانية الجديدة” أعلنت الحرب على المجهول أولا ثم على العرب و المسلمين ثانيا.
 
يبدو أن السيد “كلارك” تناسى أن غزو أفغانستان كان يهدف إلى سيطرة و.م.أ على أهم مناطق الطاقة في العالم و هي الجمهوريات السوفيتية السابقة بآسيا الوسطى، بعدما وضعت يدها طولا و عرضا على الطاقة بالشرق الأوسط، و ذلك للتحكم في تسيير تجارة النفط و الغاز نحو أوروبا و آسيا عبر بحر قزوين، إضافة إلى محاصرة الصين و التربص بروسيا.
 
كما لا تفوتنا هنا المقولة الشهيرة “لديفيد ميلر” الباحث الأمريكي في السياسة العامة في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين: “في كل مرة نخوض فيها حربا ينتعش اقتصادنا”، و التي ترينا بالملموس مدى دهاء العقل الغربي المفكر و المخطط.
 
لقد كان للحرب الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب العديد من النتائج الخطيرة على الوطن العربي بدءا بغزو العراق، مرورا بقصف ليبيا، وصولا إلى ما يطلق عليه بالربيع العربي الذي أبان بالملموس إستراتيجية أمريكية جديدة لتقسيم الخارطة الجيوسياسية بالمنطقة و جعل القضية الفلسطينية آخر أولويات الأمة العربية.
 
كما قزمت و.م.أ دور الأمم المتحدة عن طريق الحروب الغير شرعية، و هو ما عبرت عنه بوضوح السفيرة الدائمة السابقة لأمريكا في أدراج الأمم المتحدة “مادلين أولبرايت “، قائلة: “منذ توقيع الميثاق، أصبح الأمريكيون جمهوريون أو ديمقراطيون ينظرون إلى الأمم المتحدة ليس كغاية في حد ذاتها و لكن كأداة ضمن أدوات أخرى من أجل خدمة المصالح الأمريكية”.
 
 
القاعدة، داعش و الحالة السورية إلى أين؟
 
إن تحليل الأوضاع الراهنة على الأراضي السورية و التحول الدراماتيكي للجهاد العالمي نحو بلاد الشام، لا بد أن تتم دراسته في إطاره الدولي للخروج بفكرة واضحة المعالم.
 
أولا، لابد من الإشارة إلى أنه منذ بداية الألفية الحالية، شهدت المنطقة خاصية فريدة من نوعها، تمثلت في خروج جماعات جهادية  للوجود بين ليلة وضحاها عقب كل انسحاب أمريكي من دولة ما تدخلت فيها عسكريا، و ذلك كما لو أننا أمام تطبيق لنظرية البجعة السوداء، و لنا في العراق خير مثال على ذلك.
 
كما أنه و بعد الاكتشافات الطاقية الأخيرة لـ و.م.أ و إشارة معظم التقارير إلى تخليها عن استيراد النفط و الغاز الطبيعي القادم من منطقة الشرق الأوسط بنسبة 50% بحلول نهاية 2020 و بصفة نهائية في 2035 في ظل تنامي دور كندا كأول شريك في ميدان الطاقة مع أبناء العام سام، أصبح هاجسها الاستراتيجي التوجه صوب المحيط الهادي خصوصا بعد ضمانها التام لانهيار الوطن العربي و وجود ثلاث قوى إقليمية في المنطقة خارج الفلك العربي هي:إسرائيل، إيران و تركيا.
 
نعلم جيدا أن الإستراتيجية الصهيوـأمريكية تركزت منذ القدم على تقوية كل ما هو غير عربي بالمحيط العربي ـ و لنا في إثيوبيا و تركيا و الأكراد خير مثال على ذلك ـ في إطار مخطط شامل و كامل للإحاطة بالوطن العربي.
 
و من ثم فإن الانسحاب التدريجي لـ “و.م.أ” من الشرق الأوسط لا بد أن يكون مدروسا فيما يخدم مصالح حليفها الاستراتيجي إسرائيل، وهنا يأتي دور الجماعات الجهادية لزعزعة الاستقرار بالدول العربية كمرحلة أولى و من ثم التخلص منها لتلافي أي حراك لا نمطي أو ارتداد منها صوب إسرائيل.
 
ألم يكن الجهاد أولى بالنسبة لهذه الجماعات في فلسطين، علما أنها تدعي الدفاع عن الإسلام و المسلمين عامة، و السوريين خاصة ببلاد الشام، وتهدف لقيام الخلافة الإسلامية بالمنطقة؟
 
و من ثم كيف لهذه الجماعات الانتشار في معظم بقاع العالم الإستراتيجية تحت غطاء “القاعدة” في حين ينعدم وجودها بما يسمى “بإسرائيل”، فهل الاستخبارات الإسرائيلية أقوى من الاستخبارات المركزية الأمريكية، أم أنها إستراتيجية واضحة المعالم لإغراق الوطن العربي في الحرب مع المجهول؟!!
 
في دراستنا هذه والتي نخصص جزءها الأخير للجماعات الجهادية بسوريا، لابد من الإشارة إلى الخلافات التي تعاني منها الدولة الإسلامية بالعراق  والشام (داعش) مع تنظيم القاعدة، و التي وضحت جليا بعد بيان هذه الأخيرة عن تنكرها من أفعال “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش).
 
الخلافات بدأت في أبريل 2013 بعد إعلان “أبو بكر البغدادي” زعيم الدولة الإسلامية بالعراق” عن اندماج جبهة النصرة بالشام مع الدولة الإسلامية بالعراق، دون أي مشاورة مع الجولاني، قائد المنظمة السورية الذي بايع أيمن الظواهري قائد التنظيم الجهادي العالمي”القاعدة”.
 
كل هذه المعطيات تدفعنا للحديث عن ثلاث نقاط مهمة:
 
ـ  نظام الأسد سيربح المزيد من الوقت؛ فبعد ضمانه تشتت المعارضة السياسية على مختلف مشاربها و ظهورها بمظهر المهتز خلال مفاوضات “جنيف2 “، ها هو الآن يرى داعش الأكثر شراسة في المعارك على الأرض تدخل في صراع لفظي مع الأب الروحي تنظيم القاعدة.
 
ـ الدول التي تدخلت مباشرة في هذه الأزمة ستجد نفسها أمام أثر الدومينو بارتداد الجماعات نحو أراضيها خصوصا بعدما ألفتها أثناء عبورها لسوريا، و بالتالي فعلى كل من تركيا، السعودية، الأردن، لبنان، الكويت، البحرين، قطر والإمارات أخذ الاحتياطات اللازمة، فالطوفان آت لا محالة.
 
ـ إسرائيل ليست بعيدة عن خطر هذه الجماعات، و هو ما توضح جليا عن طريق التنسيق الأمريكي العراقي لانتزاع داعش من العراق و دعم أوباما لنظام نوري المالكي بالأسلحة الكفيلة لذلك، على الرغم من كونه أحد حلفاء النظام السوري، و كذا في التوافق الأمريكي الروسي حول أولوية التخلص من هذه الجماعات قبل الحديث عن بديل الأسد، و الذي في نظرنا سيتم التخلص منه مباشرة بعد إقفال ملف داعش.
 
هي إذن خرافة الإرهاب التي استعملها الأمريكيون للسيطرة الأحادية على العالم و التخلص من الأنظمة المعارضة لتوجهاتهم، و هي كذلك البذرة التي غرسوها في وطننا العربي لتشتيته و تقطيع أوصاله، و اختاروا الوقت و الزمن المناسبين مع إستراتيجيتهم الشاملة و المستمرة.
المصدر
http://www.samisoullami.com