الحب والجنس رغبة الفرد وحظر المجتمع

جواد الكبيبة

تقديم

تميزت الحداثة بتحولاتها الجذرية في جميع المستويات :في المعرفة, في الطبيعة وفي الإنسان, وأخص بالذكر هنا موضوعا اشد الارتباط بالإنسان هو موضوع الحب الذي تطور عبر التاريخ ليصل إلى أوج تطوره مع العصر الحديث و تجدر الإشارة إلى أن الحب ظل مخفيا في قصائد الشعراء و بيوت الارستقراطيين لكن مع العصر الحديث ازداد إقبال الناس على الحب و الحديث عنه

    بناء عليه فالحب بمعناه الحديث هو حب كل يوم كل إنسان بمعنى أخر هو الجهر بالحب بعبارة أكثر شمولية أنا كانسان يجب أن أعيش حقي في الحب كسائر الحقوق الأخرى و كثيرا ما نجد حولنا أناس ينطقون بكلمات الحب مثلا:

احبك …                                                                                   لا أستطيع العيش بدونك …                                                             أنت وحدك و لا احد…                                                                    انك تسري في عروقي…

    هذه العبارات و غير تكشف عن التحولات الكبرى التي عرفها الحب و هكذا كلمة الحب تثير فينا العشق و التغزل و التعفف و كل هده هي إشارة إلى المشاعر الجوانية الحميمية بين المحب و الموضوع المحبوب و يعتبر الحب وظيفة اجتماعية بامتياز لها وقعها و سلطتها على الأفراد و بالتالي لا يمكن تصور مجتمع بدون حب فهدا الأخير يحل محل الحرب و العنف و غير ذلك من متناقضاته.

   للحب لغته و منهجه فهو قيمة إنسانية محضة و يساهم بشكل كبير في عملية التواصل داخل المجتمع فتلك الرغبة في الالتحاق بالآخر و الانضمام إليه لا يمكن تفسيرها بشكل عشوائي بل هي رغبة الإنسان في الاجتماع و الميل نحو الأخر من بني جنسه 

      لقد اختلفت الرؤى و التصورات في موضوع الحب فهناك بعض الفلاسفة و المفكرين يركزون على الجانب الروحي في الحب أمثال: سقراط أفلاطون …وهناك من يربطه بالإشباع الجنسي أمثال: شبنهاور,نيتشه وفرويد…

      إن اختلاف هذه التصورات يحيل إلى اختلاف وتغير الصيرورة التاريخية للحب والمقصود بذلك التغير في الفهم و الممارسة في أشكال الحب.حتى في الحياة اليومية يبدو التغير بادي للعيان خصوصا فيما يتعلق بالجهر به, أي تلك العلاقات الحميمية التي أصبحت تمارس بشكل علني. وإذا تفحصنا مثلا المجتمع المغربي في بعده المتمدن نجد الأطراف المتحابة تعلن حبها بعدما كان رب الأسرة هو الذي يحدد محبوب ابنته أو ابنه, وهذا ما يقصده لومان كما سنرى “بتطور العلاقات الحميمية على حساب تفكك النظام الأسري التقليدي” .

  لكن ما يهمنا نحن هو الجانب المتعلق بالتواصل والذي يكون الحب فاعل فيه أو هو الذي يخلقه أو خلقه في العصر الحديث, والمقصود بذلك الجانب الحميمي بين الأفراد,فالعصر الحديث خلق اختلافا كبيرا في تصوره للحب من خلال إزاحته من طابعه الطبقي وجعله في متناول سائر الشرائح الاجتماعية ,ففي العصر الوسيط كان الحب منوط بالطبقة الأرستقراطية بينما الآن المجتمع برمته والسبب في ذلك هو تطور أشكال التعبير عنه كالسينما والصحف ومواقع التواصل…

  على هذا الأساس سنشير في البداية إلى مسألة الحب الإلهي والحب الإنساني( المحور الأول),ثم سنتطرق إلى الدور الذي لعبه الحب في خلق التواصل في العصر الحديث(المحور الثاني).

المحور الأول: الحب الإلهي والحب الإنساني: 

 تمهـــــــــــــــيد:

   ارتبط مصطلح الإيروس بشكل كبير باليونان، وقد وقع الاختلاف حول مصطلح الإيروس “EROS “، فهناك من يعتبر الكلمة إشارة إلى الحب الجسدي ، وهناك من يعتبرها إشارة إلى إله الحب، ومن المعلوم أن الإيروس هو إله الحب عند اليونان، وفي محاورة المأدبة لأفلاطون، نجد صراع حول الطابع الإلهي للإيروس، ففيدروس مع هزيود يسلمان بأن الإيروس هو إله عظيم من أقدم الألهة، بينما أجاثون ينكر قدم هذا الإله، لكي يؤكد أنه أصغر الآلهة وأحدثها. في حين نجد سقراط ينكر الألوهية عن “إيروس” ويجعل منه مجرد مساعدا قديرا وموجه حكيم يستطيع أن يقتادنا إلى الجمال الأزلي المطلق.[1]

ويعرف سقراط الحب باعتباره جني عظيم أوروح كبير يحتل منزلة وسطى بين الآلهة والبشر، فهو ليس خالدا ولا فانيا، لا حكيما ولا جاهلا، لا خيرا ولا شريرا، وإنما يأتي في مرتبة وسطى فحسب.[2]

وهذا الحديث يرتبط بالحب الأسطوري الذي كان سائدا في العصور اليونانية، لكن نحن في هذا العرض سنتطرق إلى مسألة الحب في العصر الحديث، وتصورات بعض الفلاسفة عن الحب ومسألة العبادة ودورها في حب الله، كما سنشير إلى قضية الإتعال بين الإنسان والله أو بلغة كيركجارد بين المتناهي واللامتناهي.

1ــ الحب رغبة في الامتلاك أم في الكمال الإلهي:

 ارتبط الحب عند بعض الفلاسفة بالإمتلاك، بمعنى أن المحب يسعى إلى امتلاك الموضوع المحبوب سواء كان، وتلك هي رغبته في الحب، وتماشيا مع هذا الطرح، ينتج الحب عن الحاجة والإشتياق إلى المحبوب، ويعلق الفيلسوف الألماني Simmel على ذلك كما ورد في كتاب زكرياء إبراهيم “أن الإيروس اليوناني هو إرادة امتلاك، حتى حين يستخدم الحب للإشارة إلى معنى أسمى، ألا وهو الرغبة في إمتلاك الشخص المحبوب كموضوع للتعليم المثالي، والتنهيب الأخلاقي والتربية الثقافية، وهذا هو السبب في أن الحب عند اليونان إنما هوحالة متوسطة بين الإمتلاك وعدم الإمتلاك”. [3]

وكأن الحب هو الرغبة في الشيء الذي نفتقد إليه ومحرومون منه، هنا تطرح مسألة الحب الإلهي، هل الإنسان وحده المنوط أو في حاجة إلى حب الله أم أن الله بدوره في حاجة إلى حب عباده؟ هنا تطرح كذلك مسألة الكمال، فالله كائن كامل، لا يفتقر إلى السعادة ولا لشيء آخر، فلماذا هو في حاجة إلى حب عباده؟ خصوصا ونحن بصدد مناقشة مسألة الإمتلاك في الحب، تماشيا مع الصفات الإلهية يمكن القول إن الله في غنى عن الكل، لهذا سنناقش الأمر من زاوية أخرى، أي زاوية حب الإنسان لله. فالإنسان وحده الذي يحتاج إلى حب الله والسبب في ذلك هو أنه كائن ناقص ويسعى إلى الكمال، وبالتالي فهو ملزم بالسعي وراء حب الله، وبالتالي حسب زكرياء إبراهيم، لابد لنا من أن نتذكر أن هذا الحب هو بأكمله من جانب الإنسان، دون أن يكون في وسع الله أن يبادل الإنسان حبا بحب! ومن هنا الحب الإلهي حينما يتخذ النمط الإيروسي إنما يصبح بمثابة سبيل يقتاده إلى الله دون أن يكون هناك بأي حال من الأحوال هبوط أو نزول من جانب الله نحو الإنسان”.[4]

هنا تطرح مسألة العبادة والسعادة داخل العبادة، فغالبا ما يقال إن المؤمن المخلص لربه يكون وسعيدا. بمعنى أنه ينشد السعادة أو الخير من الله، ونجد هذا التصور بشكل كبير عند المتصوفة الذين جعلوا من الله موضوع حبهم، من خلاله يسعدون، وينشدون المحبوب، وبذلك تطرح مسألة الإتصال بالذات الإلهية، وكما على ذلك زكرياء إبراهيم، المحبة الإلهية في نظر المتصوفة هي محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته.  وكأن الأمر يتعلق باتحاد ذات العاشق بذات المعشوق، ولعل هذا ما يفسر الزهد والعزلة التي يعيشها الناسك المتصوف، فالذات الوجدانية تعتقد أنها انصهرت في الذات الإلهية وتعيش داخلها، يقول نيكلاس لومان “الحب يعني أن يهب المحب بنفسه لمحبوبه ماهو طالب له منه وهذا هو أصل الفكرة القديمة القائلة، إن الحب تعالق بين اثنين على نحو يجعلها ينعزلان عن العالم لكتيفيا بذتها “.[5]

بناء عليه تطرح مسألة الحب الخالص، بمعنى الحب المنزه، الحب من أجل الموضوع المحبوب سواء كان، وهذه الرؤية هي التي كانت عند المتصوفة، وتجدر الإشارة إلى أن حب المتصوفة نزيه وخالي من الأغراض، بمعنى أنه حب من أجل الحب فقط. وكثيرة هي أقوال المتصوفة التي تثبت ذلك، وكما ورد في كتاب زكرياء إبراهيم على لسان رابعة العدوية حين سئلت عن حقيقة إيمانها قالت ” ما عبدته خوفا من ناره، ولاحبا لجنته، فأكون كأجير السوء، بل عبدتك حبا له وشوقا إليه”[6]، وهذا يعني أنها تعبد الله حبا فيه فقط، وهذا هو الحب من أجل الموضوع المحبوب، وهذا القول شبيه لقول الحلاج الذي يؤكد أنه لايحب الله طمعا في ثوابه ولا خوفا من عقابه، وإنما يريده لعذابه ومن أجل الإستمتاع بعذابه. تلك هي سنة المتصوفة يؤكدون على خلو الحب من المنفعة والأغراض، وفيما يخص مسألة علاقة الحب بالعذاب، أشهرها يمكن الإشارة إليه هنا هو كيركجارد صاحب الوجودية المؤمنة التشاؤمية، هذا الأخير يربط العبادة بالألم، بمعنى الإحساس بالعذاب والخطيئة، هما اللذان يثبتا الحب الحقيقي لله، وقد وردت هذه الرواية من قبل في الادبيات المسيحية عند القديس بولس الذي اعتبرأن المسيح قتل لأجل خطايانا، ولهذا يجب إعادة الإعتبار إليه، بتعذيب النفس. وهذا ما عبر عنه كيركجارد ” إنه حينما يريد الله أن يصطفي لنفسه رجلا، فإنه يدعو رفيقه المخلص ألا وهو الهم. لكي يطلب إليه أن يلازمه ويتعلق به ولا يفترق عنه لحظة واحدة.”[7]

بناء عليه يصبح الإحساس بالألم، هو الميزة الوحيدة للإنسان المؤمن وبالتالي فالعبادة بهذا المعنى تتخلص في ممارسة العذاب، ويصبح هذا الأخير بمثابة وسيلة الإتصال بالله، ويفسر كيركجارد العبارة أو الصلاة بمثابة نزوع الإنساني المتناهي نحو الكائن اللامتناهي، وهذا النزوع أو الميل، لا يحقق إلا حين تحس الذات الإنسانية، بالخطيئة والقلق والرهبة من الله.

فالعذاب في رأي كيركجارد مصاحب للممارسة الدينية، ولكي يكون الحب الذي يكنه الإنسان لله حقيقيا يجب أن يحمل في طياته الألم، ففي هذا الأخير تمكن العلاقة بين العبد ربه، ومالم تحترق النفس الإنسانية بالعذاب جراء الإحساس بالذنب والخطيئة، فلن تصل إلى مستوى حب الله، ولن تصل إلى مستوى التماهي مع الذات الإلهية. وهكذا فالطريق إلى حب الله منوط بالعذاب والتمزق والتشرد. وبالتالي فالعبادة كإحدى أشكال ممارسة الحب، تظل فارغة إذا كانت غير ممولة بنبرات الألم.

ويعتبر جبريل مارسيل أن الحب الإلهي ينكشف للإنسان المؤمن في العبادة، فهذه الأخيرة هي التي تجعل المتعبد يشارك الذات الإلهية ” إن عبادة الله لهي الطريقة الوحيدة للتفكير في الله والوجود معه “[8]

فالصلاة بهذا المعنى علاقة أصيلة مع الله، من خلالها نفكر في خلقه ووجوده معا، وتساهم بشكل كبير في رؤية ومارسة الحب الإلهي.

حينما يتحدث مارسل عن حب الإنسان لله، فهو يقصد تلك العلاقة الشخصية بين الإنسان وربه. لابد من أن تقوم هذه العلاقة الشخصية على عملية بذل مطلق تقدم فيها الذات نفسها لله.[9]

هذا فيما يخص الحب الإلهي، أي حب الإنسان لله، فماذا عن حب الإنسان للإنسان؟.

2ــ الحب الإنساني نقص أم حاجة إنسانية:

 فيما يخص حب الإنسان للإنسان، يجب الإشارة إلى تلك العلاقات العاطفية التي تجمع الناس فيما بينهم، وتتعدد أشكال هذه العلاقة، فهناك حب الأم للإبن، علاقة الأخوة، الصداقة التي تبنى على الحب، العلاقة الزوجية، كما يمكن الحديث عن حب الغلمان كما كان الأمر في المجتمع اليوناني.

فكل جنس يرى أنه في حاجة إلى جنس آخر، ومسألة الإختلاف بين الذكر والأنثى بالطبيعة وليست حاضرة الآن وفقط، فالأنثى لا يمكنها أن تعيش في غنى عن الذكر والعكس بالعكس.

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى في الحب الإنساني، طرحت مسألة الحب الروحي والحب الجسدي، وأيهما أسمى، وقد طرحت هذه الإشكالية منذ اليونان ” والحال أن الشبقيات السقراطية الأفلاطونية مختلفة تماما: ليس فقط من حيث الحل الذي تقترحه، وإنما أيضا وبخاصة لأنها تميل إلى طرح المسألة بعبارات مختلفة كليا. لم يعد المطلوب لمعرفة ماهو الحب الحقيقي … من يجب أن نحب، وبأي شروط … سوف تصبح هذه الأسئلة تابعة لسؤال آخر أولي وأساسي: ماهو الحب في كينونته بالذات “[10]

فهناك دائما صراع حول تصور الحب أيها الاحس: الحب الذي لايهتم إلا باللذة الجسدية والذي لا يهتم إلا بالروح، أي روح الموضوع المحبوب، ودائما كان الإجماع حتى في أنها من العامة من الناس على اعتبار الحب الحقيقي هو الحب المرتبط بالروح، أي ذلك الشعور أو الميل الخالص نحو الآخر والشترط بعدم المنفعة.

المحور الثاني: الحب ومسألة التواصل في العصر الحديث:

 تمــــــــــــهيد:

 قد لا بجانب الصواب اذا اعتبرنا العصر الحديث، هو عصر التواصل بامتياز خصوصا وأنه أخرج المسكوت عنه إلى الوجود وأصبح متاح أمام الجميع ونخص بالذكر موضوع الحب. الذي تناولت بالحديث والشرح مجموعة من الوسائل والكتابات: كالكتابات الدوائية، الشعر، المجلاتـ،، السينما…إالخ كل هذه الوسائل أتاحت إمكانية الإطلاع على مشاعر الآخرين، وهذا فيه نوع من التواصل الحميمي بين الأفراد ولم يعد من الطابوهات، فمواضيع الحب أصبحت الأن تنافش بشكل عادي في الاسرة والمجتمع. وكل قارئ أو متامل للحياة الاجتماعية سيلاحظ التواصل الحميمي بين الافراد والاعلان المباشر عن العلاقات العاطفية. ومن الطبيعي جدا ان الانسان يجنح نحو الآخر، تفاديا للصراع. والحب في بعض الأاحيان يظهر على أنه الموضوع الأكثر اهتماما بين الناس.

على هذا الأساس يعتبر الحب عاطفة وتجربة إنسانية نبيلة تحتاج إلى الإكتشاف والرعاية. والحب لديه موضوعه، ولغته وقيمته فالحب هو الأول، لنأخذ على سبيل المثال التعريف الذي كان يعطى للفلسفة في القديم: محبة الحكمة، وفي غياب المحبة لا توجد حكمة ولا تحكي الفلسفة. ويؤكد زكرياءإبراهيم ” إذا كان الفلاسفة التقليديون قد درجوا… على اعتبار القيم ثلاثا، الا وهي الحق والخير والجمال، فإن الفيلسوف المعاصر لم يعد يجد حرجا في أن يصيف إلى هذه القيم الثلاث قيمة رابعة، ألا وهي الحب.[11]

فلا يمكن الحديث عن هذه القيم في غنى عن الحب، لأننا إذا لم نحب الحق فكيف نمارسه.

ففي العصر الحديث ظهرت الحاجة إلى الحب الخالص والعواطف الرقيقة، لأنه من قبل كان محصورا على طبقة إجتماعية معينة، فالأرستقراطية هي التي كانت منوطة بالحب وهي التي تعرفه، لكن الأن أصبح في متناول الشرائح الإجتماعية برمتها، وهذا راجع في نظر لومان نيكلاس إلى ” ازدياد إقبال الناس على المطالعة وتعميم التربية المدرسية ووفرة الصحف السيارة “.[12]

بناء عليه فالعصر الحدبث ساهم في خلق الوعي لدى الأفراد على جميع المستويات، ولعل فن التعامل مع الناس خير ما أتت به الحداثة. بالإضافة إلى هذا كانت موضوعات الحب والجنس تشكل عائقا في مجال التواصل، وظلت مسكوت عنها، لكن الآن أصبحت حقائق إجتماعية ورمز للتفاعل بين الأفراد، وحينما تقول التفاعل فإننا نعني بذلك التواصل، وحتى على مستوى التواصل عبر الشبكات الإلكترونية، الأنترنت والهاتف، فأغلب ما يناقش هو الحب، فمن قبل كان من الصعب التعبير عن المشاعر العاطفية، حتى في الزواج هناك من ينوب في التعبير عنك، وهو مايسميه لومان بمفارقة التواصل، ولا يقصد العوائق الإبلاغية المتصلة بأحوال العشق، أي ليس تلك العقدة التي تصيب العاشق حين يريد التبليغ عن ما بداخله، وما يغامره من أهواء، بل المقصود بذلك تلك الظاهرة المتعلقة بالكشف عما يظهر من حال العشاق من عجز واضح عن ايصال العواطف الجياشة إلى الغير وإبلاغها له نحويجعله في منأى عن كل شكوك وريبة، وهو ما عبر عنه لومان ” لقد شهدت نهاية القرن الثامن عشر نهاية الفصاحة والثقة في التواصل”.[13] هنا تطرح مسألة الثقة بين المتحابين، أي صعوبة إقناع الآخرسن بمشاعرنا وعواطفنا، وهذا وارد حتى في مجتمعنا المغربي، فكثرة التلاعب بالعواطف أدت إلى الأزمة في الثقة، وهنا تطرح مسألة العلاقة بين الحب ةالجنس، هل الجنس في صالح الحب أم الحب الحقيقي خال منه، وهل السعي وراء الجنس هو الذي يؤدي إلى انهيار العلاقات العاطفية أم يزيد في ثيقتها أكثر؟

1     ــ الاتصال الجنسي ودوره في الحب:

تماشيا مع هذا الطرح، يمكن القول إن العصر الحديث أفرز ظاهرة التواصل الحميمي بين الأفراد، وكما يقول لومان: ” فمن المعلوم أن هناك كتابات كثيرة وأبحاثا عديدة اهتمت بمعالجة هذه المسألة وأذكر من بينها تلك التي تتناول…. ما يظهر من حال بعض الأشخاص من مبادرة جرئية إلى التحدث مع شخص آخر في بهو المطار. بحيث يفلح في تحوير موضوع الحديث وجعله يدور حول مشاعرها الحميمية الخاصة ….. فإنه من السهل علينا اليوم أن نجعله يفطن في مقابل ذلك إلى ما يعترينا من رغبة في إقامة الوصال الجنسي لقد تعددت لدينا إمكانات تحقيق هذا الوصال “.[14]

وأشهر الفلاسفة الذين ربطوا موضوع الحب بالجنس، نجد شوبنهاور، فهذا الأخير لا يهمه من الحب إلا الجانب الجنسي المحض، لأن الجنس في نظره مرتبط بإرادة الحياة من أجل حفظ النوع، قال شوبنهاور” إن الحب مهما تسام ولطف ينبع من الغريزة الجنسية، أو هو الغريزة نفسها واضحة محددة مشخصة، فإن الغريزة الجنسية إذا لم تكن ذات موضوع معين كانت إرادة الحياة، وإذا بدت مرتبطة بشخص معين فهي الحب “[15].

هكذا يربط الفيلسوف الحب بالغريزة ويرى أن هدف الزواج والزوجة يتجه نحو غاية الإنجاب قصد استمرار النوع. ويعتبر لومان العلاقات الحميمية بين الأفراد من بين أساليب تطوير الحب، وعكس ذلك في القديم كان يصعب الحديث عما هو حميمي، لهذا يمكن القول إن الحداثة أتت بنوع من التحرر في ميدان الحب والجنس، يقول لومان ” إن كل مايمكن تأكيده بهذا الصدد، هو أن تحرير العلاقات الجنسية إنما حدث أول ما حدث في أمريكا تم بعد ذلك بقليل في أوربا “. وتجدر الإشارة إلى أن الاتصال الجنسي الذي يتحدث عنه لومان جاء على حساب التفكك الأسري بمعناه التقليدي. وهذا نلاحظه حتى في المجتمع المغربي، فقد بدأ الزواج التقليدي ينهار شيئا فشيئا، لم يعد الأب هو الذي يختار الزواج لإبنه، بل أصبح كل شيء يقوم بين اثنين . بالإضافة إلى شوبنهاور نجد فرويد المحلل النفسي، ربط أيضا موضوع الحب بالجنس، فالحب عنده شكل من أشكال إفراز الطاقة الجنسية، إنه عبارة عن تطلعات جنسية وقع عليها الكبح وتعرضت للكبت، فإذا تدبرنا جوهر الحب هذا فهمنا أنه لا يقول، في النهاية إلا على وهم النسيان، بمعنى أنه يقوم على رغبة جنسية مغلقة، وتجدر الإشارة إلى أن فرويد يربط الحياة الجنسية بالنفسية ولا يقتصر على محدد الاتصال التناسلي، وبذلك عمل على تكسيح الطابع المادي للحب. 

2     ــ الحب والجنس رغبة الفرد وحظر المجتمع:

  يعرف المجتمع المغربي بحظر العلاقات العاطفية والجنسية خارج مؤسسة الزواج التي تمثل باب الشرع لممارسة الحب بحرية،هذه الظاهرة تعرف انتشارا واسعا داخل المجتمع القروي الذي لا زال يعرف النمط التقليدي في تسيير الأسرة، والمقصود بذلك أن الكل يخضع لسلطة الأب. وقد ورد في كتاب ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية لفاطمة المرنيسي معطيات بحث ميداني أجراه باسكون حول الشباب المغربي، مضمونه أن القرى تحاول فرض نوع من الرقابة على الشباب بدواعي عدم اقترابهم من النساء، مما يؤدي إلى ظهور بعض العلاقات الشاذة والمنحرفة كالعلاقة الجنسية بين الذكور وولوج أوكار الدعارة والزواج المبكر المفروض بالقوة من رب الأسرة بذريعة التحصين…(انظر الوثيقة رقم 1 بالملحق).

 على هذا الأساس يظل الشاب في الأسر القروية ابن منزله مهما بلغ مستوى نضجه، بعبارة أخرى( من تجربتي الخاصة) نحن لا زلنا صغارا بكلام الأب، هذا الأمر وغيره من الأمور الأخرى تنعكس على حرية الفرد في اختيار الشريك فيما يتصل بالزواج. فالأسرة في البادية تقف عائقا في وجه حرية الحب واختيار شريك الحياة.

    الابن يريد الزواج من حبيبته التي يحبه، بينما لأب يريد بنت فلان (انــــــظر الرسالة في الملحق)

 من خلال الرسالة يتبين أن الشاب وقع في مفارقة الحب بمعنى انه عالق بين حب الفتاة وتلبية طلب أبيه. إذا تزوج الفتاة سيرمى بالعقوق أو ما يسمى بالسخط، خصوصا وان هذا الأخير يشكل أقوى سلاح في لإجبار الأبناء على الطاعة في القرى، أم ينسى أمر أبيه ويتزوج من يريد.

  هنا تطرح أزمة اختيار الشريك وما ينجم عن ذلك من صراع بين الأب و الابن ،فالمجتمع العربي والمغربي على وجه الخصوص يتخذ موقفا سلبيا منظما تجاه الحب المتبادل بين الجنسين[16].

خاتمة:

  من الحب الإلهي إلى الحب الإنساني مروراً بالاتصال الجنسي، تبقى آراء ومناقشات حول الرؤية الاختلافية للحب، فالمتصوف يعتبر الحب الإلهي أسمى من الحب في صورته الإنسانية؛ بل أكثر من ذلك نجد ابن عربي يعتبر من أحب كائناً لجماله ولإحسانه فما أحب على الحقيقة إلا الله[17].

    بينما هناك من يرى الحب متجسد في صورته الإنسانية، وهذا أشكال وأنواع من الأمومة، والأخوة والصداقة حتى العلاقات العاطفية بين الجنسين، الزوجين أو العاشقين، وغير ذلك من العلاقات الحميمية. فلحظة الخلق هي لحظة الحب وهذا الأخير مستمر رغم اختلاف أشكال استمراره، وإذا ربطنا الحب بالحياة اليومية للأفراد نجد تغيراً وقع على مستوى الممارسة، والمقصود بذلك الجهر والإعلان بالعلاقات العاطفية بين الأفراد، وهذا بمثابة إقرار بالحرية والحق في الحب. وكما كانت في البداية المحبة الإلهية السبب في الخلق، أصبح الآن المحبة الإنسانية السبب في خلق التواصل والتفاعل بين الأفراد، خصوصا وأن من بين خصائص الحداثة هذا التفاعل، لهذا كما سبق ذكره فالحداثة تميزت بتحولاتها الجذرية على جميع المستويات بما في ذلك الحب الذي يرتبط بالإنسان، وأهم ما جاءت به في هذا السياق إخراج الحب من بيوت الأرستقراطية وقصائد الشعراء إلى الممارسة الفعلية بين الأفراد، وبالتالي انتقال من نخبوية الحب إلى عاميته.

     على هذا الأساس يمكن إعطاء الحداثة بعدها العاطفي إلى جانب الأبعاد الأخرى، وهذا البعد العاطفي ساهم في خلق التواصل الحميمي بين الناس، وتقليص رقعة الطابوهات فالحب وشريكه الجنس لم يعودا من المسكوت عنهم، وهذا ساهم في الانسجام داخل المجتمع العالمي الذي أصبح صغيراً، وخير دليل على ذلك نجد شخص من المغرب يتواصل عاطفياً مع فتاة في أمريكا.

     بناء عليه يصبح الحب بمثابة الاعتراف بالآخر ليس بوجوده إلى جانبي فقط؛ بل أكثر من ذلك يجب الاعتراف به داخلي؛ أي داخل ذاتيي الخاصة ولو  كان الأمر عكس ذلك لما وقع الانفعال والتفاعل معه، ولما احمر وجه المحب من رؤية المحبوب، وأهم ما يمكن قوله هو اتساع هامش الحب في العصر الحديث وانكماش رقعة الطابوهات والسبب في ذلك كما تمت الإشارة سابقاً هو كثرة الكتابة في هذا المجال، واكتساح الحب لجميع الميادين بما في ذلك السينما والفضاء العمومي عموما.

    وأخيراً يمكن القول إن الأزمنة الحديثة هي أزمنة الإنسانية بامتياز، أزمنة موت الإله وحلول الفردانية، وفي ظل هذا أصبح الإنسان أساس كل شيء، وبذلك ظهر تصور جديد للحياة والفن وظهرت كذلك الحاجة أكثر لممارسة الحرية. وهو ما يمكن التعبير عنه، وبالتالي يجب إحلال كوجيتو الحب محل الكوجيتو الديكارتي، ونقول”أنا أحب إذن أنا حر”.                    

 

[1] – زكرياء أبراهيم، مشكلات فلسفية: مشكلة الحب، دار مصر للطباعة، الطبعة الثانية 1970، ص. 160.

[2] – المرجع نفسه، ص. 161.

[3] – زكرياء ابراهيم، سبق ذكره، ص. 163.

[4] – المرجع نفسه، ص. 143.

[5] — محمد الشيخ، ياسر الطائري، مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة: حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر، دار الطليعة، بيروت، ص. 90.

 

[6] – زكرياء إبراهيم، مرجع سابق، ص. 138.

[7] – نفسه، ص. 139.

[8] – زكرياء إبراهيم، سبق ذكره، ص. 144.

[9] – نفسه، ص. 148.

[10] – مشيل فوكو، استعمال للذات، تاريخ الجنسانية، ج II/، ترجمة، جورج أبي صالح، مراجعة، مطاع صفدي- مركز الإنماء القومي- 1991، ص. 165.

[11] – زكرياء إبراهيم، سبق ذكره.

[12] – محمد الشيخ، ياسر الطائري، سبق ذكره، ص. 82.

[13] – محمد الشيخ، ياسر الطائري، سبق ذكره، ص. 85.

[14] – عبد الرحمان بدوي، شوبنهاور، وكالة المطبوعات ودار القلم، ص 247.

[15] – محمد الشيخ، ياسر الطائري، سبق ذكره، ص. 90.

[16] – فاطمة المرنيسي ،  ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة 2009، ص.10.

[17]  الفكر العربي المعاصر، سبق ذكره، ص. 87.

الفهرس

 تقديم……………………………………………………………….1.

المحور الأول: الحب الإلهي والحب الإنساني………………………..3

1-             الحب رغبة في الامتلاك أم في الكمال الإلهي………………..2.

2-             الحب الإنساني نقص أم حاجة إنسانية………………………..6.

 

المحور الثاني: الحب ومسألة التواصل في العصر الحديث…………8.

1     ــ الاتصال الجنسي ودوره في الحب…………………………..9.

2 ــ الحب والجنس رغبة الفرد وحظر المجتمع……………….11.

خاتمة……………………………………………………12.


تعليقات