بعض من أيام المستضعفين، يوميات يوسف الحلوي ( الحلقة5)

فريق التحرير

 

                             مع الطاغية وجها لوجه

 

 

  سمعت عن القانون  وسيادته، عن حقوق الإنسان، آمنت أن الكثير من الأشيـــــاء

تغيرت، وفي السجن تتبعت أحاجي القوم عن الإنصاف والمصالحة والقطيعة مع الماضي، قلت لنفسي لعل أمثالي يساهمون بشكل كبير في تكريس الظلم والاستبداد،  نحن صامتون، أموات لا حياة تدب في أجسادنا، فكيف نحصل على حقوقنا؟ فلأنتفض ولأرفض هذا الجور، سيصل صوتي إلى المسؤولين، وحتما سيشملني شيء من إنصافهم، حزمت أمري وكتبت شكاية طويلة أشرح فيها معاناتي مع القمل والاكتظاظ  والإهانات المتكررة  و…

   لم يمهلني مدير المؤسسة طويلا، فقد أرسل في طلبي فورا، حين مثلت أمامه، لم يترك شيئا من موسوعة الشتائم لم يقذفني به… المعاناة دين أمك يا ولد القـ… الاكتظاظ القواد… هل تظن نفسك في فرنسا؟ كل السجون المغربية هكذا…، في  سري كنت أرد على كل شتيمة أتلقاها منه، قلت موضحا: علاقتنا بالسلطة علاقة  التزام متبادل، نلتزم تجاهها بمجموعة من الواجبات لتمنحنا بالمقابل بعض الحقوق،  وأنا لا أطالب بغير ما نص عليه القانون المنظم للسجون… نظر إلي اللعين نظرة خبيثة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة أكثر خبثا وهو يقول: حسنا بني سنكرمك كما يقتضي واجب الضيافة…

   ضغط على أحد الأزرار  المتواجدة بمكتبه،  فأقبل الذئب يجري، ثم وقف كالصنم بجوار الباب أومأ إليه برأسه فانصرف، وبعد هنيهة قصيرة  عاد رفقة  ثلاثة من الحراس، ليعلنوا أنهم على أتم الاستعداد، أمرهم المدير بإخراجي فوضعوا الأصفاد في يدي… أدركت حينها أنه ليس ثمة ما ينبئ بأنهم سيكرمون وفادتي كما ادعى ” الطاغية “، أعدوا دلاء المياه والفلقة في مكان جانبي من الساحة التي تفصل الإدارة عن المعقل، تساءلت وركبتاي ترتعدان من شدة الخوف،  أهي العودة السريعة إلى ” الشيفون ” أم ماذا ؟؟ ماذا سيفعلون بدلاء المياه هذه؟ ضربوني بأيديهم وأرجلهم إلى أن سقطت على الأرض، وربطوا رجلي في الفلقة، وانطلقت حصة ” الكرم الحاتمي “، صاحت كل خلية مني أن قبح الله حقوق الإنسان والإنصاف و… كل الأحاجي التي صدقتها دون تمحيص…

   بعد انتهاء الضرب، صبوا المياه على جسدي وأجبروني على الجري حافي القدمين… كان صراخي يضيع  في فضاء الساحة تماما كما ضاعت كذبة الحق والقانون في ثنايا ذهني، خرج المدير من مكتبه مختالا في مشيته واقترب مني كسلحفاة على وشك الوضع، وبأسلوب لا يخلو من مكر سألني: والآن هل هناك حق آخر لم تحصل عليه بني؟ نحن هنا للسهر على راحتك، إذا احتجت شيئا آخر فلا تتردد في طلبه مني، إنني في مقام والدك، أجبته والألم يمزقني: لا،  هذا يكفي لم تقصروا معي في شيء، وهمست لو أن مسرور سياف الرشيد بعث حيا لما فاقك قسوة وعنفا…

   نقلت بعدها إلى زنزانة العقاب ” الكاشو”، قضيت فيها أسبوعا كاملا براحة شاملة، لم يكن القمل فيها كثيرا، وكان بإمكاني قضاء حاجتي دون أن يضايقني صراخ الجماهير المصطفة خارج دورة المياه. تمنيت لو طالت مدة العقاب، لكنها انقضت سريعا، فكرت في إثارة المشاكل للعودة إلى الكاشو، غير أن الفلقة ظلت ماثلة أمام عيني كشبح مخيف مستعد لنهش لحمي كلما سولت لي نفسي الأمارة بالسوء أن أطالب بشيء قل أو كثر من حقوقي.

في الحلقة القادمة

 وشرد ذهني عائدا بي للحظة الاعتقال.. لم يكن ما لاقيته في ولاية “الرعب” ليغيب عن مخيلتي يوم اقتادوني إلى داخل مبنى الولاية مذهولا، أجر خطاي المتعثرة من هول الصدمة، أحملق كالأبله في الوجوه والأشياء ، أتراني أحلم ؟ صفعة ثقيلة نزلت على عنقي…