بيع الكلام

فريق التحرير

gawad

  لم يتم إنتاج الكلام إلا لحاجة الإنسان إليه للتعبير عن كل ما يختلجه من أحاسيس وعواطف، وللتعبير عن أفكاره وتمثلاته، وقضاء أو تحقيق حاجاته ومتطلباته، أو لتحقيق التواصل بين الأفراد والمجتمعات، فالكلام بوصفه لغة وباعتباره “أصوات يعبر به كل قوم عن أغراضهم” كما يقول ابن منضور في معجمه لسان العرب، ليس له وظيفة واحدة فقط بقدر ما يتم توظيفه في سياقات كثيرة ومجالات متنوعة، فصنع الضحك يتم بالكلام، والتعريف بموضوع أو قضية ما يتم بالكلام، ونشر إيديولوجية ما، يتم هو الآخر بالكلام، لكن كيف نستعمل هذا الأخير؟ وما سياقات إستخدامه؟

  كثيرا ما كنا نسمع ونحن صغار “تكلم، هل ستؤدي ثمن الكلام ” وهو إشارة إلى أن الكلام مجاني ولا يُؤدى عنه أي ثمن، لكن سرعان ما ندرك أن هذا الرأي خاطئ ولا أساس له من الصحة، خصوصا عندما نستحضر مجموعة من النماذج التي توحي وبقوة إلى أن الكلام يؤدى ثمنه، ويباع مثلما تباع باقي الأشياء، فلنستحضر “الحلايقي” و”المغني” ولنستحضر كذلك بعض مثقفي الأحزاب السياسية كما يقول المفكر الإيطالي “أنطونيو غرامشي” أليس هذا الأخير مجرد “بوق الحزب”… فما يقوم به الأول هو صنع الفرجة بالكلام وربما يستعين كذلك بالحركات والإشارات وبعض إيماءات الوجه، لكنه لا يخرج عن سياق اللغة، وبهذا فهو يبيع الكلام لأنه سرعان ما يدور دورته على الدائرية على مستمعيه ومشاهديه لجمع بعض الدراهم بعد كل مقطع، وأحيانا يخلق التشويق ولا يكمل ويسترسل في الكلام إلا بعدما يطلب من زبنائه (المتفرجين) أن يجمعوا له قدر من المال، وما يقوم به الثاني “المغني” هو نفسه الذي يفعله الأول حيث يعمد إلى انتقاء الكلمات والألفاظ ويحاول أن يؤلف معنىً دلاليًا ليطرب المستمع، حتى ولو كان ذلك مجرد اشتكاء في بعض الأحيان (بعض الأغاني التي لا ترقى إلى مستوى الفن) أو مجرد نقل للواقع بأحداثه وتفاصيله، أو شيئا من هذا القبيل، كما يلجأ بنفس الكيفية أيضا المثقف التقليدي في نظر غرامشي إلى بيع الخطاب الذي ينتجه ليؤثر في المتلقي محاولة منه ومن الحزب الذي يشتري كلامه، هذا للتأثير في عامة الناس واستقطابهم خصوصا أثناء الحملات الإنتخابية، لذلك ليس من الصواب أن نردد ما كان يقال لنا ونحن صغار، دون أن نفحصه بتروي وحكمة.

  وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا، وتحديدا مع السوفسطائيين في القرن 5 قبل الميلاد، فلم يكونوا يفعلوا شيئا غير بيع الكلام، سواء في تعليمهم فن الخطابة للناس، أو تعليمهم لمبادئ الدفاع عن قضية ما وربحها، أو تعليمهم إياهم البراعة في المناقشات السياسية… أو غيرها، ففي كل هذه الأشياء كان عملهم هو بيع هذه المهارات وجني مزيد من المال، لذلك ستكون ثورة سقراط عليهم بمثابة حرب لا هوادة فيها، خصوصا وأنه رفع شعار مجانية التعليم كورقة اعتراض على سلوكهم، فماذا يفعل الأستاذ إذن؟

  قد يعترض على هذا الكلام بالقول أن ما يقوم به الأستاذ ليس مجرد كلام وإلقاء الدرس فحسب، بل إنه يمرر مجموعة من القيم والمعايير الأخلاقية والتربوية ونماذج السلوك وغيرها من الإيجابيات… وهذا صحيح ، لكنه هو الآخر يبيع الكلام، أو لنقل أنه يبيع المعرفة التي يتم تمريرها إلى المتلقي عن طريق اللغة التي هي كلام، والمقبلين على شراء الكلام داخل المجتمع كثر، لأن حاجتنا إلى الآخر تعكس حاجتنا إلى كلامه وما يقدمه لنا، وما نعجز عن تحقيقه بمفردنا …