بعض من أيام المستضعفين، يوميات يوسف الحلوي (الحلقة6)

فريق التحرير

                                                                                 من وحي الألم

   وشرد ذهني عائدا بي للحظة الاعتقال، لم يكن ما لاقيته في ولاية “الرعب” ليغيب عن مخيلتي… اقتادوني إلى داخل مبنى الولاية مذهولا أجر خطاي المتعثرة من هول الصدمة، أحملق كالأبله في الوجوه والأشياء،  أتراني أحلم؟ صفعة ثقيلة نزلت على عنقي… آه، ليس حلما إنه كابوس فظيع..

  اجتزنا الكثير من الغرف قبل أن نتوقف أمام مكتب خط على مدخله برسم جميل “فرقة مكافحة العصابات”.. تساءلت، أكل هذه الحشود مجتمعة هنا لمكافحتي؟ مالي وللعصابات؟.. كنت متأكدا أن واحدا منهم  يكفي ليهشم أضلاعي… المكتب اسم على مسمى، لا أثر فيه لغير العصي والأسلاك الكهربائية والحبال، استجمعت كل ما تبقى لدي من الشجاعة وصرخت ليس من حقكم معاملتي بهذه القسوة.. أنا لم أفعل شيئا، هناك قانون و.. و..، لم ينتظروا أن أنهي محاضرتي التافهة عن الحق والقانون، فأمطروني بوابل من اللكمات كان كافيا لإخراسي، اقترب مني الضابط “م” وراح ينصحني بلطف مصطنع.. ليس من مصلحتك أن تنكر، لا يبدو عليك أنك من الصنف الذي نحتاج معه إلى العنف ، انظر حولك ماذا ترى؟  قلت مغالبا انفعالي: لا أرى هنا غير وسائل التعذيب، ابتسم في وجهي قائلا: لازلت محافظا على صفاء ذهنك، أتمنى أن تفهم أنك في نهاية المطاف ستعترف، فالأفضل لك ولنا أن نختصر المسافة دون حاجة لإيذائك..

   كان يقصد المسافة الأقرب إلى السجن، رمقته بنظرة مستعطفة وقلت: أنا مستعد لمساعدتكم… قاطعني دون أن يترك لي الفرصة لأكمل حديثي موجها كلامه لرجاله: فكوا وثاقه، كنت أعلم أنه شخص مسالم وأنه لن يتعبنا كثيرا، وبينما أحدهم يحاول فك الأصفاد من يدي تدخلت موضحا: أريد شيئا واحدا.. أجاب “م” نحن رهن إشارتك، هل تريد أن تأكل شيئا؟ هل تريد أن تدخن؟ وجذب سيجارة  من الجيب الداخلي  لسترته  ثم ناولني إياها، قلت لا هذا ولا ذاك، كل ما هناك أنني أود معرفة السبب الذي قمتم باقتيادي من أجله إلى هنا؟ وماذا عن الأموال المزيفة؟

  تغيرت سحنة “م” وتقوس حاجباه بشدة والكلمات تندفع من فمه محدثة هديرا كهدير البركان، أتسخر منا يا ابن الكلب.. ثم استدار في عنف يحث رجاله على القيام بعملهم، قاموا بتكبيلي مجددا.. سمعته يأمرهم بإحضار الشيفون… قرأت في السابق عن هذا” الشيفون”، لكنني لم أتوقع يوما أن أكون قريبا منه إلى هذه الدرجة، في لمح البصر قاموا بتقييدي بواسطة حبل طويل إلى طاولة في نفس طولي وعرضي تقريبا، كانوا يعرفون عملهم جيدا، أما أنا فاستسلمت لقدري المحتوم، حتى أنني لم أجد رغبة في الصراخ.. تركوا رأسي حرا في الهواء بحيث تتوازى حافة الطاولة مع كتفي، ولفوا الحبل حول جسدي بكامله، في حين جلس أحدهم على فخذي ليمنعني من الحركة… كان أحدهم سكرانا.. تعالت ضحكاتهم وكأنهم يتفرجون على السيرك، لم يتوقفوا لحظة واحدة عن شتمي، وشتم الدين والرب والوالدين، ستكون نهايتك على أيدينا…

   الشيفون عبارة عن خرقة يتم غمسها في البول والغائط… لفّوها حول رأسي،  وضغطوا بها على أنفي وفمي إلى أن احتبست أنفاسي… صرخ “م” إذا أردت الكلام ارفع جهازك التناسلي.. فانتفض الشرطي الجالس على فخذي محتجا أنا غير موافق، إذا فعل ذلك أنا المتضرر الأكبر..  وانفجروا ضاحكين، عاد “م” ليقول لي مصححا.. ارفع سبابتك لئلا يغضب منك هذا الجحش… وبدأ السيرك كلما رفعت سبابتي أزالوا  عني الشيفون، وحين أهم باستنشاق الهواء يصبون في فمي محلولا تفوح منه رائحة البول و “الكريزيل”، استمر الوضع هكذا يعيدون العملية مرات ومرات،  شعرت بالغثيان فتقيأت على سترتي، واندفع المخاط من أنفي كقذيفة ليستقر على البذلة الأنيقة للشرطي الجالس على ركبتي، فراح يسب ويلعن وتملك الباقين حماس غريب.. أخذوا يركلونني بأرجلهم بقوة دون أن يتوقفوا عن الضغط على حول رأسي.. مع توالي الدقائق فقدت الوعي تماما ولم أعد أشعر بالعالم الخارجي…