مسار، عود على بدء

جواد البلدي

  gawad

   بعد خروج مجموعة من التلاميذ بتأييد من بعض الأساتذة الذين يتمتعون ببعد نظر وكأنهم كانوا يعرفون ما سيترتب عن هذا البرنامج اللعين من سلبيات، وبعدما كان رد مدراء المؤسسات التعليمية هو محاولة تسكين التلاميذ – الذين خرجوا في مظاهرات احتجاجية وتنديدية بالقرارات الوزارية التي لا تراعي مصلحة التلميذ بالبت والمطلق -بكلام يبدو في ظاهره بسيطا ومعقولا، لكنه ملغم في ثناياه، لأنه ينطوي على خلفيات لا تخدم مصلحة التلميذ إطلاقا، وإن كانت نوايا بعض المدراء حسنة، وهو قولهم أن البرنامج ليس سوى إجراء معلومياتي لمعالجة نقط التلاميذ بشكل “معصرن” وهذا أمر حسن في ظاهره، لكن سلبياته لم تكشف إلا فيما بعد.

  عندما تم توزيع نتائج الدورة الأولى على المتعلمين، حيث كشفت الحصيلة عن أخطاء فادحة في معالجة النقط، وعندما يحتج التلميذ على وضعيته، يقال له أن المسؤول عن الخطأ هو البرنامج وليس الأستاذ أو الإدارة، مثلما كانوا يحاولون إقناعنا في الكلية، عندما كان يجد الطالب نفسه أثناء الإطلاع على النتائج، غائبا مع العلم أنه اجتاز الامتحان، بقولهم أن المرتكب للخطأ هو جهاز الحاسوب، وكأن هذا الأخير هو من يتحكم في صانعه ( الإنسان) وليس العكس، هذا فضلا عن الحديث الذي كان مؤخرا عن اختراق الموقع من طرف هاكر مغربي، الشيء الذي يعني أن لهذا  الأمر تفسير واحد هو عدم أخذ مصلحة التلميذ بعين الاعتبار بتاتا، كما يكشف من جهة أخرى عن الطابع العقلاني لاحتجاجات التلاميذ السالفة ورفضهم للبرنامج.

  أما من جانب ثالث فهذا يفتح أمامنا أبواب الشك على مصراعيها، للتساؤل عن غايات هذه الإستراتيجية السابقة لنوعها والتي اتخذتها الدولة دون أن تأخذ رأي الذين يشتغلون في الميدان (إداريين وأساتذة وأعوان…) بعين الاعتبار؟ وعن السبب الذي منع الوزارة من تمرير المذكرات الوزارية المنظمة لهذه العملية قبل ولا بعد الإعلان عن القرار المتخذ؟ لذلك فالشك الذي يعترينا هنا يدفعنا إلى طرح أكثر من سؤال، وإن كان الجواب عنها واضحا وضوح الشمس، لأنه ليس المرة الأولى التي تخرج فيها الوزارة والحكومة بقرار مفاجئ يكشف عن أحادية القرارات وعبثيته في بعض الأحيان، ثم أنه ليس من الغريب أن تلجأ الحكومة – كما هو معهود من زمان- إلى إثارة الضجة حول مسائل هامشية لصرف الإنتباه عن قضايا جوهرية وتهم المصلحة العامة للبلد، ثم أن هذه القرارات غير العقلانية تكشف بالملموس عن النية المبيتة للدولة في إشغال المدرسين بهَمِّ النقط والبرنامج وإصلاح الأخطاء، عوض توفير الحرية له للتفكير والبحث العلمي والمساهمة في التنمية البشرية الحقيقية، وليس التنمية التي يتحدثون عنها بتوزيع الأرانب والماعز…

   ففضلا عن منع الأستاذ من متابعة دراسته العليا إذا كانت لديه رغبة في ذلك، وفضلا عن رداءة المقررات التربوية المُثقِلة لكاهل المتعلم والمتضمنة لأخطاء لا تغتفر، وفضلا عن الإهمال الذي تواجه به مطالب وحقوق المدرس (صانع الأجيال وصانع التنمية الحقيقية) تعمل وزارة التربية الوطنية وبتزكية من الدولة على تهديم ما تبقى من مكتسبات في قطاع التعليم الذي يعد في نظرها قطاع غير منتج، والحال أنه هو القطاع المنتج حقا، والقطاع الذي يُعَّول عليه في جميع الأحوال وفي كل المجالات ، فمصير أمة دون العلم والمعرفة هو الإفلاس والإنحدار إلى الحضيض. لكن مرتكب الخطيئة لازال متماديا في غيِّه ، ومتناسيا لزلَّاته وهفواته…؟؟؟