الأرض التي أغني فيها أناشيد الله ــ4ــ{تابع}

جواد الكبيبة

 

 

 

 

تركته وأكملت طريقي متشردما شارد الذهن.. رأيت مكان تحيطه الأشجار من كل الجوانب ومنظره يوحي إلى النوم فقط. هذا ما تبادر إلى ذهني بسبب التعب الذي لصق بي وعندما وصلت إلى وجدت لافتة خشبية مكتوب عليها بحروف مبعثرة “ممنوع جلوس الغرباء” نظرت إليها جيدا وبدأت أتساءل عن مضمونها في نفسي

ــ ما المقصود بالغرباء؟

ــ هل الغرباء عن القرية أم الغرباء عن الأرض؟

ــ أم هذه اللافتة جزء من المعنى الذي أبحث عنه؟

لم أهتم بما هو مكتوب وتوجهت إلى مقعد خشبي لأنني أحب كشف المجهول لعلني أجد بصيصا من الراحة. جلست على المقعد الذي تآكل بفعل الزمن وفجأة سمعت شخصا يقول:

ــ لا معنى لهذه الحياة، خلقنا لنشقى…

نظرت إليه فأثارني كلامه وفصاحته وذكرني بالعديد من الأمور، تأملت كلامه جيدا وسيطرت علي عبارة شبنهاور:

” الوجود خطيئة!”

تركت المقعد ودنوت نحوه نظرت في عينيه فوجدته غير مبال بوجودي مستمرا في نقاشه الفردي وكل كلمة منه تحمل أكثر من معنى، أثارني الفضول حول هذا الشخص الغريب الأطوار وتساءلت:

ـ هل أشاركه النقاش؟

بدأ الصراع بداخلي جراء الإحراج الذي ولده لي هذا الإنسان، فكلامه يوحي بالفهم والتنوير لكنه يبدو متشرد الشكل، سيطرت على نفسي فاقتربت منه أكثر، أحس بوجودي أحاطني بعينه وقال:

ــ لابد أن الشفقة حركتك تجاهي؟ ألم تقرأ اللافتة؟

أصابتني الحيرة بثقته وجعلت نفسي أنني أشفقت عليه فعلا، ولكي لا أكسر ثقته أجبته:

ــ وكيف عرفت ذلك؟

ــ لأن الحياة تعلم الإنسان التجارب فقط.

ــ ولماذا أنت شقي إذن؟

نظر إلي بصمت وطول تأمل، حتى جعلني أطرح أكثر من سؤال، ثم نظر في الأرض وقال:

ــ الإنسانية يا صديقي.. الإنسانية غارقة لم يعد شيء قائما على أساس.. انهارت القيم وساد الظلام الأسود وتدمر الجليد، والإنسان نفسه هو السبب مسؤول الكارثة …

استمر في الكلام وذكرني بعبارة قرأتها في كتاب الإنجيل الخامس لأحد الرجال “إن للأرض جلدها ولهذا الأخير أمراضه وأحدها اسمه الإنسان”. لكن هل الإنسان فعلا مرض الأرض؟ هذا هو الإشكال …عندما أحس بي متأثرا بكلامه قاطعني مدعيا الجهل:

ــ أنا لست مرشدا ولا فقيه يعض الناس ولست مفسرا للحياة. أنا فقط شخص يحيى زمنا غير زمنه.

استمتعت بكلامه وأحسست بالسعادة في الشقاء لأن معظم العقلاء يعيشون شقاوة الحياة والسبب في ذلك هو مجرى الحياة أو بالأحرى فوضى الحياة.. فالإنسان خلق من أجل الموت.. شقاء مستمر ونهاية محتومة!!

وبما أنني زائل قررت أصدقائي أن أجعل من مسيرة حياتي بحثا عن الحروف المبتورة وأسخرها لجــــنون الكــــلمة عسى أن يكتمل المعنى وتنتهي الحكاية..

ابتعدت منه قليلا وسألته بكلام منخفض ناتج عن سوء الوضع:

ــ وما شأن اللافتة؟

أجابني مودعا والحسرة بادية عليه:

ــ لاصطياد أفراد الهامش

تركته وحملت معي كلامه ساعيا وراء الحروف المبتورة ثم أخرجت الكتاب الذي منحه لي هذا الشخص لكي استأنس به في طريقي الطويل.. الطويل – كما قال الشاعر- ويحمل عنوان “فكر الهامش”  فتحت الكتاب وأول ما وقعت عليه عيناي عبارة جميلة وغامضة في نفس الوقت :

” المعنى ظهر مع الزمن وسينتهي مع اكتمال دورة الزمن”

تذكرت شيئا لا أستطيع قوله، وتسمَرت في مكاني وأصبت بحيرة ثم بدأت أرتجف والعرق يسيل دما.. من الحروف المبتورة إلى مسألة نهاية الزمن!! أيهما سأتبع؟

تابعت السير وعيناي تتفحص العبارة وفجأة اصطدمت بعجوز مثقلة بكومة حطب فوق ظهرها، سقطنا معا التقت عيني بعينها فوجدتني جد متعب ابتسمت في وجهي وقالت:

ــ هون عليك يا بني! لا زلت شابا وأنت شاردا منهمكا. ماذا أصابك؟

ــ لا شيء أمي غير الجنون الذي أصابني منذ أن تحملت مسؤولية البحث عن الحروف المبتورة.

أجابتني ببساطة غير مبالية بمهمة بحثي:

ــ وما هذا الشيء الذي يتطلب هذا الشقاء كله؟

كررت كلامي غاضبا :

ــ أبحث عن حروف بترت من الأناشيد.. لتكتمل المعنى وتنتهي الحكاية.

أجابتني:

ــ لكل شيء معنى ولا وجود للمعنى..!

تأملت كلامها جيدا ووجدت نفسي أمام لغز من جديد “هناك معنى ولا وجود للمعنى”، قاطعتني بتفاؤل:

ــ هذا لا يتطلب التفكير الأمر سهل وفي غاية البساطة، نحن نعرف بعض الأشياء لكن لا نعرف من صنع معنى الأشياء ومتى؟ طبق هذا على نفسك…

قلت في نفسي كانت في البداية الأناشيد..لكن وجدت بعض الحروف مبتورة ولكي تكتمل معنى الأناشيد يجب إيجاد هذه الحروف وبذلك تنتهي الحكاية.

وعندما قررت البحث عن أصل الأناشيد، وجدت في صراع مع الزمن: هل أعود إلى الوراء مع الزمن أم أسير إلى الأمام؟

السير إلى الأمام يعني النهاية، نهايتي وليس نهاية الزمن. والرجوع إلى الوراء يعني العودة إلى الذكريات المؤلمة. فأنا الآن أصدقائي في غاية التشردم.

نظرت إلى المرأة العجوز التي ظلت تراقب حيرتي وقلت لها:

ــ وماذا تقول حول نهاية الزمن؟

أجابتني:

ــ هل تقصد للزمن نهاية؟

ــ وهل نعرف بداية الزمن ؟ تعلمت بالفطرة يا بني أن نهاية هذا الزمن تعني بداية زمن آخر، ولا تنسى أننا كائنات قدرية! وكل منا يحيى زمانه.

قالت هذا وهي تنظر إلى السماء، صدمني كلامها وقلت في نفسي لماذا بدل البحث عن الحروف المبتورة أبحث على زمني الخاص وإذا وجدت معنى الزمن سأجد الحروف المبتورة.ودعتها وأنا أواصل الطريق، ودعتني بدورها وتمنت لي التوفيق ثم قالت:

ــ أنصحك ألا تقرأ فكر الهامش، بل جرب المركز، لكي لا يهرب عنك الناس وتبقى خارج السياق.

من كلامها هذا بدأت بعض ملامح الرؤية تتضح وتتجلى، فعلمت أن المعنى يوجد بين المركز والهامش وحلقة السباق هي الزمن والمركز يسيطر عليها. والهامش يتصارع مع نفسه…هذه هي أزمة المعنى

صراع الهامش مع الهامش.هذا ما خلصت له لحد الآن في بحثي الدءوب عن الحروف المبتورة… فالزمن لا زال مستمرا والحكاية لا زالت طويلة و الأناشيد لم تكتمل بعد!!

أثارني سؤال الزمن لكنني اضطررت للابتعاد عنه لأنه من الصعب جدا تحديد مكان النهر فهو متدفق بشكل دائم، وبالتالي سأعود لإتباع مجرى الحروف المبتورة عسى أن تكتمل المعنى وأجد شفاء لجنون الكلمة.

قالت المرأة العجوز لا تقرأ فكر الهامش لكي لا يهرب عنك الناس بل جرب فكر المركز وعندما تأملت كلامها بشكل جيد اكتشفت من كلامها أن المعنى من إنتاج المركز وعرفت لماذا أنا خارج السياق، لهذا رفعت التحدي وسأقول لا..لا للمركز..لا لنفس السياق إلى إن وجدت الحروف المبتورة واكتملت المعنى!!