الصين: من مراقبة الوضع الدولي إلى صناعة القرار

سامي السلامي
 

slami_122658557

 

تمتاز السياسة الخارجية للصين بمراقبة الوضع الدولي بثبات ورزانة، تمهيدا منها للعب دور دولي كبير يجعل منها “مركز العالم” من جديد، إلا أن الحلم الصيني يتخبط بمعيقات اقتصادية وجيوسياسية بزعامة أمريكية.
 
لقد أسست الصين خياراتها الإستراتيجية حول إعادة إحياء ممـلكة الوسط الكبرى التي حكمت قارة آسيا طيلة قرون، ومن أجل هذا سعت جاهدة للاستفادة من جغرافيتها التي يمكن أن نقول أنها صنعت تاريخها، حيث تعد ثالث أكبر دول العالم مساحة بعد كل من روسيا و كندا بمساحة تقدر بحوالي 9.572.678 كلم مربع، وتحدها أربعة عشر دولة أهمها: روسيا، الهند،باكستان، كوريا الشمالية، أفغانستان… كما تشرف على طرق هامة للمواصلات و التجارة في العالم سواء البرية، كطريق الحرير، أو البحرية بإطلالها على المحيط الهادي، و بحر الصين الجنوبي، و بحر الصين الشرقي، و البحر الأصفر، ومضيق فرموزا.

 

هذا ويلعب المحدد البشري دورا هاما، حيث يفوق تعداد ساكنة الصين مليار وثلاثمائة مليون نسمة، ما يؤهلها لأن تكون سوقا واسعة تستوعب السلع المحلية و العالمية. وقصد لعب دور هام في الأسواق العالمية كان لزاما الخروج من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق الاشتراكي أو ما أطلق عليه “سياسة المشي على ساقين”،التي كان من أهم نتائجها أن احتلت الرتبة الثانية ضمن أكبر اقتصاديات العالم حيث قدر الناتج الإجمالي المحلي للصين سنة 2012 بـ : 10,6 تريليون دولار، مع إشارة معظم التقارير إلى تبوئها كرسي الزعامة الاقتصادية سنة 2028 إذ يتوقع أن يصل إجمالي الناتج المحلي الصيني إلى 33 تريليون دولار فيما سيقدر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية بـ 31 تريليون دولار.
 
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى القوة العسكرية للصين سواء فيما يخص الأسلحة التقليدية أو الإستراتيجية،وخصوصا بعد انضمامها إلى النادي النووي سنة 1964 إذ تتوفر حسب تقديرات احتمالية على ما لا يقل عن 300 رأس نووي و 2400 قنبلة نووية.
 
وفي خضم كل هذه العوامل التي تظهر بالملموس مدى القوة والتصاعد الصيني في الساحة الدولية، اقتنعت الولايات المتحدة أنه لابد من إتباع نهج استراتيجي مغاير ينبني على أساس التخلي  التدريجي عن منطقة الشرق الأوسط لصالح قوى إقليمية ثلاث يكون فيه نصيب الأسد لإسرائيل والفتات لكل من تركيا وإيران مع جعل الدول العربية حقل تجارب ومواضيع للعلاقات الدولية، والتوجه صوب الإحاطة بالتنين الصيني والسيطرة على السوق الاستثمارية الصينية التي تعد بأرباح كبيرة، وهو ما جوبه بمنافسة من اليابان والاتحاد الأوروبي حول نفس السوق.
 
ورأت الصين أن عليها التوجه نحو الجنوب وبالتحديد أمريكا اللاتينية وإفريقيا، إذ بلغت استثماراتها في إفريقيا لسنة 2012 ما يقدر بـ 10 مليارات دولار توجهت في معظمها للمجالات الطاقية والتنموية والفلاحية… عكس و.م.أ التي استثمرت في القارة السمراء  في نفس السنة 4 مليارات دولار ذهبت أساسا للمجالات الأمنية والعسكرية.
 
إن شعور و.م.أ بالخطر الصيني المتصاعد كان لا بد له أن يولد سياسات أمريكية مضادة تتمثل في محاولة غلق الممرات البرية والبحرية للتزود بالطاقة(البترول والغاز الطبيعي) في وجه الصين، مع دعم استقلال التايوان عن الصين ومحاولة إبرام اتفاقيات عسكرية معها،علما أن واشنطن تتوفر في نفس المنطقة على أكثر من 10 قواعد عسكرية تهدد الأمن القومي الصيني أبرزها قاعدة باغرام في أفغانستان.
 
وفي خضم هذا المناخ من التوتر وانعدام الثقة في العلاقات الصينية ـ الأمريكية، تعمد الصين إلى عدم الانزلاق نحو المواجهة الفردية التي لن تصب في مصلحتها، وترى أن خير وسيلة لمجابهة و.م.أ هو الاندماج في منظمات تعاون إقليمية ودولية أبرزها منظمة شنغهاي.
 
كان لاندماج الصين في المنظمات والتكتلات الإقليمية آثار جيوسياسية واقتصادية هامة، حيث ذوبت المصلحة الاقتصادية المشتركة كل المعيقات الجيوسياسية، فالمصالح المتبادلة حول الشيشان و إقليم “كسين جيانغ” بين الصين و روسيا أدت إلى نسيان خلافات الماضي سواء الحدودية أو السياسية والتوافق على إستراتيجية قوامها الأساسي السيطرة على 50 بالمائة من الطاقة في العالم تحت لواء شركة “غاز بروم” الروسية، في فكر واعي منهما أن الدولار الأمريكي يستمد قوته من الطاقة وأن السيطرة عليها وعلى ممرات عبورها ستكون أولى مراحل قهر أبناء العم سام.
 
كما أن العلاقات الصينية الهندية تحسنت بشكل ملحوظ رغم بقاء مشكل “التبت” ورفض الصين لأي اقتراح مستقبلي قصد تمثيل الهند في مجلس الأمن، فسعي كل منهما للعب دور الريادة الإقليمية يتعارض بوضوح مع الأطماع الأمريكية في المنطقة، والتوافق كان لزاما كحل مرحلي للحد من هذه الهيمنة.
 
لا يسعنا هنا إلا أن نقف أمام هذا الخيار الاستراتيجي الذكي من طرف الصين، والذي مكنها من وضع و.م.أ في مأزق حقيقي يفرض عليها القبول بالأمر الواقع والاتجاه نحو اقتسام الكعكة في المستقبل مع الصين وروسيا و كذا باقي القوى الإقليمية كالهند والبرازيل.
 
إن واقع الحال يظهر بالملموس مدى الصراع والتطاحن الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة في إدراك واعي لكل منهما أن العامل الاقتصادي هو من سيحدد واقع النظام الدولي في العقدين القادمين، وأن الحرب مسألة متجاوزة لأن تجارب الحربين العالميتين أرسختا نهاية حقبة لقوى عظمى دمرت بعضها البعض وصعود قوى أخرى استفادت من التصادم.
 
إن التحول الملحوظ في سياسة الصين من مراقبة الوضع الدولي والاكتفاء بالتمدد الاقتصادي، نحو مزاحمة الهيمنة الأمريكية داخل مجلس الأمن وهو ما تجلى في استعمالها للفيتو في القضية السورية، يحيلنا إلى معطى جديد يتمثل في رغبة التنين الصيني في صناعة القرار وأن كل الظروف مواتية لذلك.
 
إنها حرب هادئة بين التنين الصيني والنسر الأمريكي بدأت تتبين معالمها على الساحة الدولية مع تفوق صيني لا من ناحية القوة و إنما من ناحية التحالفات الذكية داخل منظومتي شنغهاي والبريكس.
 
لن نتسرع في الحكم عن مآل هذا الصراع المعلن أحيانا و الخفي أحيانا أخرى، لكننا نقول جازمين غير مترددين ولا شاكين أن العقدين القادمين سيكرسان واقعا دوليا مغايرا عما هو عليه الآن، تكون فيه العلاقة بين العملاقين أكثر حدة، ما سيؤثر لا محالة على بعض دول الجنوب التي ستسخر كمكبات لتصريف هذا التصادم.
المصدر
http://www.samisoullami.com