بعض من أيام المستضعفين، يوميات يوسف الحلوي(الحلقة7)

فريق التحرير

                                                                  حرب العصابات

                                                               

 

   ما أسوأ أن يضطر المرء للعيش في عنبر رفقة مائة آخرين لا يوحد بينهم شيء سوى أنهم خارجون عن القانون، وأسوأ منه أن يرتفع العدد أحيانا ليصل إلى مائة وعشرين…

   قام سجين ليشغل التلفاز، طالعتنا عبره وجوه بشوشة ضاحكة تلهج بالثناء على المسؤولين، تتحدث عن بلادنا الجميلة التي لا يضاهيها في حسنها بلد في العالم بأسره، حتى أنها أجمل من فرنسا وأمريكا وإسبانيا و… القائمة طويلة، بلاد كعروس المجلى وثنية الصباح الأجلى ودرة الزمان التي لا تبلى و… بلاد يتمتع أهلها بأشعة الشمس الذهبية والشواطئ الجميلة… تعالت الأصوات مستنكرة، أغلق الجهاز يا ابن الزنى هل أعجبك هؤلاء الشواذ؟ الشمس هبة من الله لا من المسؤولين يا أولاد الحرام …

   استخدام جهاز التلفاز عادة ما يؤدي لحدوث معارك طاحنة، فهناك من يفضل القناة الأولى وهناك من يفضل الثانية وهناك من يفضل الهدوء، وهناك من يعارض كل شيء لإثارة الفوضى، وآخرون يرفعون صوت المسجلة كنوع من التحدي و لا أحد يظفر ببغيته، ينتظم السجناء في عصابات. وغالبا ما يكون الخيط الرابط بين أعضاء كل عصابة الانتماء إلى نفس الحي، لم أشأ الانتماء إلى أي واحدة من هذه المجموعات، وإن كنت مجبرا على اقتناء سكين من الحجم الكبير للمرة الأولى في حياتي تحسبا للطوارئ، خبأته في ملابسي بعناية فائقة…

   في كل يوم كانت هناك معارك يندر أن تنتهي بدون ضحايا وغالبا ما تكون الأسباب تافهة، كل عصابة تحاول فرض سلطانها داخل العنبر، للسيطرة على سوق المخدرات، في النهاية يكون البقاء للأقوى، تبارك الإدارة أنشطة الأقوياء وتحصل على نصيبها من الكعكة وتلجأ العصابات الصغيرة إلى ابتزاز النزلاء الجدد، واختلاق أسباب غريبة لجمع الأموال منهم، من بينها دفع “المتختخ” لوضع أكياس بلاستيكية في دورة المياه لتعطيلها، وتقطيع أسلاك السخانات الكهربائية المستخدمة في المطبخ،

   المتختخ لا يطلب أكثر من سيجارة للقيام بهذه المهام، أما الذين يقفون وراءه فكانوا يجنون مبالغ لابأس بها من أجل القيام بالإصلاحات اللازمة… هذه العصابات تلعب دورا مهما في خلق نوع من الاستقرار والتوازن داخل السجن لفائدة الإدارة، إذ تضطلع بمهمة تأديب المشاغبين كما تعمد إلى الضغط على الأثرياء الذين لا يجدون مناصا  من دفع  الجبايات للحراس من أجل حمايتهم وإذا حدث وتصارعت هذه المجموعات فيما بينها، فالخاسر الأكبر هم المحايدون.

   مرة داس ” المشلوط ” من باب الفتوح على فراش “سويكا” من ابن سودة فاندلعت المعركة اكتفى الحراس بالتفرج وتراجع المحايدون إلى الخلف مخافة التعرض للأذى في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل… ورويدا رويدا تكاثر عدد الحراس، كانوا مسلحين بهراوات كبيرة… أطلقوا صراخ التحذير في البداية وأمروا النزلاء بالانبطاح على الأرض، ثم اندفعوا يضربون بشكل عشوائي كل من وجدوه في طريقهم، بعد السيطرة على الوضع أخرجونا تباعا للتحقيق في الحادث، اعترف “سويكا” بأن غريمه يتاجر في الحشيش بشكل تلقائي ودون أن يتعرض لصفعة واحدة، فما كان منهم إلا أن اجتاحوا العنبر فقلبوه رأسا على عقب.

    شتمت “سويكا” من كل قلبي، لعنة الله عليك يا “سويكا” تسببت من حرماننا من الهواتف النقالة والكؤوس الزجاجية.. آه كم كان قاسيا علي أن أعود مجددا للوقوف في الصف الطويل منتظرا دوري لاستخدام الهاتف، ومتحملا كل أنواع الإهانات،  أما استخدام الكؤوس البلاستيكية لشرب الشاي فتلك معاناة أخرى يعرفها كل من قادته الظروف للسكن في الحي العربي… استعاد مقاتلوا “اسبرطة” هواتفهم وكل الحاجيات التي ضاعت منهم في حملة التفتيش بعد أدائهم لبعض المال للإدارة، وزج بعدد من المسالمين في ” الكاشو” لتهذيبهم.. بالنسبة لي كانت المرة الأولى التي تسلم فيها الجرة إذ كنت أستخدم هاتف صديقي…

  “ولعل المتمعن في طبيعة التوازنات التي تحكم حياة السجناء المتفحص للروابط التي تصل إدارة السجن بالعصابات يدرك أن قوانين الحرية تظل سارية المفعول خلف الأسوار الباردة”. قال سجين سبق وأن جرب الاعتقال السياسي قبل أن يتحول إلى النصب والاحتيال بعدما قلبت له السياسة ظهر المجن.

وقلت : “لعل المتمعن في طبيعة كلامك المتفحص لماضيك الأسود يشك بأنك من الكائنات التي تقتات على التبن والشعير، أما زال في فمك لسان يتحرك يارجل ؟؟

في الحلقة القادمة

  نادى حسن الموظفين لإنقاذه… أيها الحراس إنني أموت أرجوكم، وعبثا رفع عقيرته بالصراخ، صاح وصاح وصاح… مضت ثلاث ساعات ولم يحضر أحد، فلفظ حسن أنفاسه الأخيرة…