ابن الياسمين

فريق التحرير

 

يقول ابن سعيد في “الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة “معرفا بابن الياسمين  : “الجليس المتفنن الكاتب أبو محمد بن الياسمين عبد الله بن حجاج الإشبيلي  ، نسب إلى أمه وكانت سوداء ، وكان هو أيضا أسود ، تخرج بإشبيلية  في فنون العلم ، وكان أول تعلقه بالفقه والتوثيق حتى صار من أعلام العارفين بالوثيقة ، ثم اشتغل بالنظم والنثر وفنون والنثر وفنون الآداب فصار من أعلام الأدباء والكتاب “.

 والحق أن كثيرا من جوانب شخصية ابن الياسمين الفذة  خفيت عن ابن سعيد وإن كان قد وفاه حقه في الحديث عن أدبه فقط جار عليه في نسبته إلى الأدب دون سائر الميادين التي برع فيها ، ثم إن القول بأنه إشبيلي مجانب للصواب فقد جاء في “الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ” أن ابن الياسمين بربري من أهل قلعة (فندلاوة) يقول ابن أبي زرع في سياق الحديث عن وفاة ابن الياسمين : “توفي الفقيه الحاسب عبد الله بن محمد بن حجاج المعروف بابن الياسمين من أهل فاس  ، بربري الأصل من بني حجاج أهل قلعة فندلاوة أخذ عن أبي عبد الله بن قاسم علم الحساب والعدد ….وله أرجوزة قرئت عليه وسمعت منه باشبيلية”.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن الترجمتين لرجلين مختلفين لا يمت أحدهما بصلة للآخر ففي الأولى ترجم ابن سعيد للأديب الإشبيلي المتفنن وفي الثانية تحدث ابن أبي زرع عن الفقيه الفاسي الحاسب المشارك في فنون أخرى ، وهذا التضارب لعمري دليل موسوعية الرجل وعبقريته ، فلا نشك أن الإشبيليين والفاسيين تنازعوا نسبته إلى مدارسهم ، فهو ممن تفخر بهم الأمم لا المدارس فحسب وذلك مصدر  وهم ابن سعيد ، وأما نسبته إلى الفقه تارة  وإلى الحساب أخرى وإلى الأدب والشعر وغير ذلك فلأنه بعيد الغور في تلك المجالات حتى كان يرى في كل منها إماما ورئيسا ، ودعونا نجول قليلا  في حدائق” الياسمين ” لنستنشق عطر شعره الفواح فقد قال ابن سعيد أن أبا الحجاج بن نمري استقبح صورة ابن الياسمين واستحسن كلامه فقال فيه :

أيها اللابس لون الليـــــل حين أظلم

والذي يضمر داء منه يوما ما تألم

أنت من أقبح خلق الله ما لم تتكلم

بشذور باهرات ساحرات لو تجسم

أصبحت في كل جيد حسن عقدا منظم

فرد عليه ابن الياسمين بقصيدة من نفس البحر (مجزوء المديد ) ومن نفس القافية  :

أيها الفاسي أتى ريحك قبل النحو يفغم

في قريض حسن الصورة بالهجو مجذم

فقبلناه وقد جاء  لنا بالمدح معلم

وعلق الشقندي على القصيدتين قائلا : هذان الشعران بمنزلة الشعريين وكلاهما عين في مقابلة عين ، وقد أوردتهما في كتاب كنوز المعاني لأنهما مما ظفرت به من الأماني “.

وقيل أن ابن الياسمين تبارى مع مجموعة من الشعراء في وصف بعض رياض مراكش فقال كل منهم ما جادت به قريحته فلم يحفظ غير قول ابن الياسمين :

جاء الربيع وهذي    أولى البشائر منه

كأنما هو ثغر         قد جاء يضحك عنه

إن ابن الياسمين شاعر حاضر البديهة متوقد الذهن ينظم الشعر دون تكلف أو تعمل ،  ولا يكون هذا إلا في طبقة المجيدين من الشعراء والحق أن الشعر فيض من المشاعر التي تنتاب النفس في لحظات وجدانية مخصوصة كالفرح والوجد والحزن وغير ذلك ثم تنساب عبر اللسان كلاما موزونا مقفى ، فقبل أن تتفتق عبقرية الشاعر اللغوية لا بد وأن يكون مرهف الحس صادق العاطفة فذاك مما يبعث الروح في الشعر ويزيده طلاوة ويميز سقيمه عن سليمه ،وابن الياسمين واحد من أولئك الذين يصدرون في  شعرهم عن  عاطفة صادقة  قال ابن سعيد “كان كثير الإجمال والمطايبة والمرح ” فلا عجب أن تكون أشعاره صورة لطبعه المرح يغلب عليها الظرف وحس الفكاهة .

فلا عجب أن يسمو بأشعاره في سماء الأدب فلا يرى له شبيه في عهده يقول ابن القاضي في الجذوة : “وله القدم الراسخة في علوم الأدب والباع الطويل في نظم الشعر ” .

تنقل ابن الياسمين بين إشبيلية ومراكش و فاس  وأخذ عن رجالات هذه الحواضر العلمية ولا شك  ، وليس هناك ما يشير إلى تاريخ ولادته في

 المصادر التي عنيت بسيرته  كما أن الرواة لم يحفلوا بنشأته وسائر أطوار حياته غير  أنهم ألمحوا  إلى أنه التحق ببلاط المنصور  ” الموحدي” ثم ولده الناصر من بعده وأن وفاته كانت عام 601ه .”

إن ابن الياسمين وإن كان كرس جزءا هاما من حياته لدرس الأدب والإبداع في فنونه فلم يفته أن يشارك في علوم أخرى ، فأول مصدر عثر عليه الباحثون يتحدث فيه مؤلفه عن أشكال الأرقام الغبارية المغربية يعود لابن الياسمين ومن خلاله نتعرف على ابن الياسمين الحاسب العددي ، يقول في  ” تلقيح الأفكار في العمل برسم الغبار “: ” واعلم أن الرسوم التي وضعت للعدد تسعة أشكال ، يتركب عليها جميع العدد ، وهي التي تسمى أشكال الغبار ، (ثم أورد رسم الأعداد العربية المغربية ورسمها الهندي )وقد صنعها قوم من جواهر الأرض مثل الحديد والنحاس من كل شيء ، منها أعداد كبيرة ويضرب بها ما شاء من غير نقش ولا محو ، وأما أهل الهند فإنهم يتخذون لوحا أسود يمدون عليه الغبار وينقشون فيه ما شاؤوا ” .

لابن الياسمين أرجوزة جامعة لأدق ما وصله  علم الجبر والمقابلة  في عصره تعرف بأرجوزة  ابن الياسمين قال عنها العلامة عبد الله كنون : ” وقد شرحها كثير من علماء الفن كالمارديني والقلصادي وابن الهائم وغيرهم …في هذه الأرجوزة توجد خلاصة كثير من القوانين والمعادلات الجبرية التي تتضمنها كتب الجبر الحديثة وهي تدل على تضلع الناظم في الجبر وبعد غوره فيه ” .

يقول ابن الياسمين في أرجوزته :

على ثلاثة يدور الجبر     المال والأعداد ثم الجذر

فالمال كل عدد مربع      وجذره واحد تلك الأضلع

والعدد المطلق ما لم ينس     للمال والجذر فافهم تصب
والشيء والجذر بمعنى واحد    كالقول في لفظ الأب والإبن

وإذا كان المؤرخون تناولوا تراث ابن الياسمين الأدبي و العلمي فقد أغفلوا تراثه الفقهي وهذا ما دفع بعض الدارسين إلى القول بأن ابن الياسمين تعرض لعمليتي اغتيال إحداهما حسية استهدفت شخصه حيث وجد مذبوحا بداره بنفس الكيفية التي ذبح بها الفتح بن خاقان صاحب “قلائد العقيان ” وفي نفس المكان من مدينة مراكش وليس أدل على السرور الذي داخل أفئدة خصومه بعد نهايته على ذلك النحو المريع من نظم الكورائي الذي ذاع عقب وفاته حيث قال

هذا ابن حجاج تفاقم أمره   وجرى وجرّ لحد غايته الرسن

حتى غدا ملقى ذبيحا حاكيا    للناس رقدته إذا هجع الوسن

والثانية معنوية استهدفت علمه وسمعته حيث غيبوا الكثير من آثاره وأشاعوا عنه الكثير من القصص التي تمس أخلاقه ، وهذه أمور معروفة عن كل من اقترب من دائرة السلطان  فما يزال أعداؤه يتربصون به الدوائر حتى يظفروا به لا يثنيهم في حملتهم عليه وازع من خلق أو دين

ولا يشذ ابن الياسمين عن تلك الفئة من النوابغ التي يثير وجودها الضغائن أينما حلت وارتحلت فهو واحد من شهداء الطموح الواسع والهمة العالية

ذبح بنصل نبوغه قبل أن يقع عليه سيف عدوه