ثلا ث قراءات في تصريح السفير الفرنسي

جواد البلدي

 

 

    gawad

يبدو أن العلاقات السياسية المغربية الفرنسية التي كانت سمنا على عسل كما يبدو في الظاهر، أصبحت تتجه الآن نحو نوع من التوتر أو الـتأزم إن صح القول، فالتصريح الذي خرج به السفير الفرنسي في واشنطن مؤخرا ” والذي يشبه فيه المغرب بالعشيقة التي يضاجعها كل واحد دون أن يحبها ” يحيل إلى أن العلاقات المغربية الفرنسية تسير نحو التوتر واللااستقرار، لذلك يمكن التساؤل عن دواعي هذا التصريح ؟ ولماذا الآن بالضبط وليس في وقت آخر؟ وما علاقته بالجولة الماراطونية التي يقوم بها ممثل البلاد في دول إفريقيا ؟

   إذا كان عبقري أثينا “سقراط” اعتزل السياسة وعمل على توجيه سهام النقد اللاذعة للسياسة والسياسيين، وإذا كان تلميذه “أفلاطون” هو الآخر عدَل عن الاشتغال بالسياسة بالرغم من أن عائلته أعدته وكانت تريد منه أن يكون سياسيا محنكا، فذلك لسبب بسيط هو أن السياسة عندما تنفصل عن الأخلاق والتربية فإنها تكون سياسة فاسدة دون منازع، والسياسي غير المخلق هو أقرب إلى المتوحش منه إلى رجل التدبير المعقلن والديبلوماسي المُخلَّق، إذ أن وصف الآخر بأوصاف دنيئة والتكلم عنه بألفاظ نابية يؤكد أن الواصف لا زال لم يتشرب بعد أدبيات الاشتغال السياسي، ويكشف عن الطابع اللاأخلاقي واللامسؤول واللاإنساني لتصريحاته، إذ ما معنى أن تنعت بلد ما بالعاهرة، أو العشيقة ؟ خصوصا إذا استحضرنا أن البلد لا يعني الحكومة فقط ولا يعني مؤسسات الدولة فقط، بل يقصد به كل أفراد ومكونات هذا البلد .

  والقراءة الثانية هي أن السفير الفرنسي من خلال تصريحه يهدم كل ما بناه فلاسفة الأنوار الذين معظمهم من بلده، بلد الفكر والأدب والفلسفة بكل مشاربها، بلد النهضة الأوروبية ومهد الإصلاح السياسي والفكري، بلد الثورة السياسية التي اتخذت لها شعار” الحرية والإخاء والمساواة “، فإذا كان يتخذ من الحرية منطلقا لكلامه فنحن نقول له “إنك لم تفهم معنى الحرية بعد يا سيادة السفير” لأن الحرية تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر، ولأن الحرية بالمعنى الكانطي الروسوي “نسبة إلى جون جاك روسو” وحتى بالمعنى السارتري لا تنفصل عن المسؤولية ” وكلامه هذا غير مسؤول” ، وإذا كان يتكلم باسم الإخاء، فإنه بعيد كل البعد عن هذا المبدأ ولم يفهم ما كتبه مونتيسكيو “الفرنسي طبعا” (إن كان قرأه) بشأنه ، لأن الإخاء يقتضي التسامح بمعناه الواسع وأصل التسامح عدم التلفظ بالعبارات المشينة حتى في حالة الخلاف، وإذا أخذنا مبدأ المساواة كذريعة للرد على هذا التصريح الصبياني، فأنذاك سنقول بأن “العهر” يعشش في دماغ من ينطق به، لكنا نترفع عن هذا القول، وندينه لأنه ليس  من شيمنا حتى وإن كان المبدأ الذي يقول ” العين بالعين والسن بالسن” هو ذريعتنا للرد، فإننا نرفض إطلاقا الرد على الفحش بالفحش ، لأن الرد بنفس الكيل يجعل في هذه المواقف يجعل العاقل غير مختلف عن الأبله.

  وفي الأخير يمكننا القول أن الذي جعلنا نسمع مثل هذه العبارات الحاطة من الكرامة الإنسانية، والمهينة هو ذل وخنوع من يمثلونا ومن أوكلناهم أمورنا والتحدث عنا في المحافل الدولية والذين رضوا ويرضون كل أنواع الإهانات التي تقال في حقهم وفي حق أبناء جلدتهم، مقابل تمسكهم بكراسيهم “ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله” إذ لا يمكن لأحد ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت، وإذا كنا نسمع اليوم ما يدمي القلوب وما يندى له الجبين، فذلك لأن سياسيينا تخلوا عن مصلحة الأمة، ودخلوا وتهافتوا على المناصب السياسية دون أن يعرفوا كيف يحفظوا كرامة أمتهم، ودون أن يعلموا كيف يكونوا فضلاء، ألم يقل “بارتيلمي سانتيهلير في تقديمه لكتاب “الأخلاق إلى نيقوماخوس” (لأرسطو) «يجب أن يكون المرء على شيء من الفضيلة حتى يصير فاضلا»؟

  وختاما أقول إذا كان المغرب يلعب دور الدركي- بالنسبة للإتحاد الأوربي- الذي يحول بينه وبين مهاجري دول إفريقيا، وإذا كان المغرب يبيع لأوروبا خيراته من الفوسفاط وغيره من الخيرات بأبخس الأثمان، وإذا كان يتعاقد معه على الصيد المستنزف للثروة البحرية، دون مراقبة، و(بجوج دريال)، فما يقال عنا نستحقه، لأنه كما يقال ” لِّي فرط يكرط ” لكن نستحقه كحكومة وليس كشعب، فهذا وحده هو البطل.