اللص النبيل – قصة قصيرة –

فريق التحرير

   كنت مستلقيا على ظهري مستقبلا باب الزنزانة,أجيل بصري في أرجائها كعادتي كلما حاولت الهروب  من الواقع المؤلم  الذي ينهش أيام عمري تباعا دون أن أفلح في إيقاف زحفه , أمامي تتقاطع القضبان الحديدية لترسم معالم القفص الذي علي أن أقضي بداخله  سنوات طويلة ,وخلفي جدارسميك ينتهي جهة السقف  بنافذة عريضة مسيجة، أستطيع من خلالها  تبين زرقة السماء وأشعة الشمس الذهبية،  انتشلني من شرودي صوت أقدام متسارعة ترتطم بالأرض في قوة وعنف معلنة  قدوم الحراس لغرض ما، شغلت ذهني هنيهة  بتخمينه، فتح أحد الحراس الباب ثم خاطبني متهكما: لن تبقى هنا لوحدك طويلا ها قد أحضرنا لك شخصا تستأنس به، كانوا يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم،  دفعوه دون شفقة نحو الداخل، فتدحرج على الأرض وندت عنه آهة رددتها حيطان الزنزانة، كان ذا هيئة غريبة، كأنما هو قادم من عهود سحيقة..

   في نحو الثلاثين من العمر، طال ذقنه إلى منتصف صدره، وتدلت خصلات شعره في إهمال على كتفيه، تميل بشرته إلى السواد، ووجهه يفيض حيوية ونشاطا. كان معتما بعمامة سوداء، متلفعا بعباءة من نفس اللون، فلكأنه الظلام الدامس خيم على زنزانتي، ساعدته على النهوض ثم قلت مشفقا: لعلك جائع يا أخي؟ هل  ترغب في بعض الطعام؟ أجاب والحزن يتدفق من بين شفتيه: من لهؤلاء الضعفاء اللذين تركتهم  خلفي؟ كيف تطيب لي لقمة من دونهم؟ ظننته يقصد والده أو والدته أو صغاره، ولشدة ما كان دهشتي حين رأيته ينتفض كمن به مس من الجن وهو يصرخ: أنا عروة بن الورد، لن أفني أيامي خلف هذه الأسوار الباردة، إلي بسيفي فما زال المستضعفون في حاجة إلي… قاطعته مستهزئا: نحن قوم يأكل بعضنا بعضا، فما الذي دعاك لزيارتنا؟

  رد بحدة وهو يلوح بسبابته ذات اليمين وذات الشمال بقوة، مركزا بصره علي: لقد دعاني صراخ الضعفاء وعويلهم، فاهتزت عظامي داخل القبر وهي رميم، لا يمكن أن أقف مكتوف الأيدي، فما زالت القبيلة الظالمة كما عهدتها، تبجل القوي وتنبذ الضعيف، ملايين من الناس يفترسهم الجوع لأن حفنة من المتسلطين شاءت أن تعبث بأموال المحتاجين كما يحلو لها، إنني لست أفهم للكرامة معنى غير أن يقتسم المال بين هؤلاء وأولئك بالعدل، ولا أرى للقيم فائدة دون إنصاف الضعفاء، ولئن رفضت القبيلة الإصغاء لصوت العقل، فسيذكرها سيفي بما لها وما عليها،

   ضحكت حتى كاد يغمى علي من شدة الضحك، ثم قلت بعد أن هدأت قليلا: عد من حيث أتيت يا أخ العرب فما أظنك إلا أخطأت الهدف، لقد ولى زمان العقل وما أخال سيفك يفلح في إعادته… قاطعني هادرا كالبركان: إن وطأة الجوع هي ذاتها في كل الأزمنة، وطعم الظلم هو نفسه   في كل العصور… ثم بتر كلامه فجأة، واندفع نحو باب الزنزانة المغلق يرجه في عنف ويصرخ: أيها  الحراس سيموت رفاقي جوعا إذا بقيت هنا، أخرجوني بالله عليكم ، حاولت تهدئته دون جدوى، وبعد هنيهة حضر الجلادون محدثين صخبا هائلا، أمسكوه من ذراعيه وأخرجوه تحت وابل من الشتائم واللكمات…

  في الغد حين كنت أطالع إحدى الجرائد اليومية، قرأت في صفحتها الأولى خبرا استرعى انتباهي…”توفي السجين عروة بن الورد بعد معاناة مريرة مع داء عضال لم ينفع معه علاج، وتجدر الإشارة إلى أن عروة كان متهما بالسطو المسلح على القبيلة…” نحيت الجريدة جانبا وشخصت ببصري نحو المجهول، وبذهني طاف ألف سؤال عن الفرق بين  عروة النبيل  وسادة القبيلة السفلة… لم تطل حيرتي كثيرا فقد تناهى إلى مسامعي صوت عروة حزينا يكسر صمت الزنزانة :                                                 

                 ذريني للغنى أسعى فإني

                                    رأيت الناس شرهم الفقير

                 وأهونهم وأحقرهم  لديهم

                                  وإن أمسى له كرم وخيــر

                ويقصى في الندي وتزدريه

                                 حليلتـه وينـهره الصغيـــر

               وتلقى ذا الغنى وله جــلال

                                يكاد فؤاد صاحبــه يطيــر