ما وراء السطور أهم

فريق التحرير


   

    mast

   فجأة قُذفت في عالم لم أحذق بعدُ حيله، ولا سبيل العيش فيه، نظرت نحو اليمين ثم نحو الشمال، ولم أعثر على سبيل أسلكه سوى سفح في الأسفل وقمة في الأعلى، الرؤية إلى الأسفل توحي بوجود حد، وما أزدريه هي تلك الحدود التي تكبل الحياة وتجعلها تكراراً لما فات، فنذرت نفسي  التوجه نحو القمة، وبينما أنا أنظر إلى السماء، سطعني نور فحرك فضولي نحو الصعود لأقترب أكثر وأعرف ما وراء القمة…

     وأخيراً وصلت… إلى أين؟

    لقد حققت شيئاً أعتقد أنه عظيماً بالنسبة لتلك المرحلة من الرحلة، وأخيراً امتد نظري نحو تلال ينقطع عند قممها البصر، عزمت على المضي قُدما لأتسلق الواحدة تلو الأخرى، علَّني أعثر وراء بعض منها ما يُنذِر بوجود ما أبحث عنه أو على الأقل أثر من كانوا هناك، فلم أصادف ولا كائن حي يمنحني أمل الحياة ويكون لي هاديًّا نحو الأفضل، تسلقت كل التلال ونزلت كل السفوح وقطعت كل الوديان.

     وفجأة…

     أطلت على أطلال ظاهرٌ عليها أثر الزمان تمتد وراءها واحة تشد الزائر بظلالها المترامية الأطراف، وماء عيونها العذب، وهواءها الذي يحيي كل جسد أرهقه السفر، وسئم من الترحال، استمتعت بمجالسة الأشجار وارتوت روحي بخرير المياه، واطمأن قلبي في خفقانه بنسيمها العليل، إنها جنة فوق أرض فلاة، لكن خِفت أن يكبلني الالتذاذ عن متابعة الرحلة…

    وعزمت من جديد على إتمام ما كنت بدأتُ، فإذا به جبلٌ فارع الطول معطفه من صخر بركاني، إنها الفحولة!!! اقتربت نحوه وترددت في الصعود لكن شيء بداخلي يناديني   على الرحيل، ويجبرني على التحدي، صعدت نحو القمة، وأنا أحس بضيق في صدري يزداد شيئاً فشيئاً، إلى أن أدركت القمة وكادت روحي أن تزهق، ثم ارتميت في سفحٍ إلى أن اقتربت إلى مساكن ظاهرة عليها روح الحضارة والتقدم، إنها قمة التمدن، تضاهي بجمالها ما كنت قد صادفته في الطبيعة قبل أيام، لكن الفرق بينهما هما السرمدية والزوال، ولجت باب المدينة مندهشا من سكانها، فإذا بها خالية من ما يشبهني فقط ما يتحرك أمام عيني من أشباح، أخيراً أدركت أن هناك حي، إنها قطط وكلاب تتجول في ما يسمونه الشوارع، وتساءلت:

    لِمَ الأشباح؟؟؟؟؟

    أدركت في الأخير أنني لا أحذق التبصر في الهندام، وأن عيناي ترى ما لا يراه الأشباح، والأشباح لا ترى ما أراه أنا.

    لقد شدني الحنين نحو الفردوس الذي صادفته في رحلتي….. لكنه يتميز بسلطة تجبرني على الجلوس، وما بداخلي يحركني نحو الأفضل، لكن فقط نحو المتاعب…

يتبع