العزلة

مراد العلالي
  
morad
ربما مرض في بعض الأحيان، و تسلية و راحة و مراجعة وئ دواء في أحيان أخرى تجد فيها النفس ذاتها المفقودة، التي لا تجد من يأويها و يجعلها تعي ذاتها، و تدرك وجودها، لكنها رغم ذلك تكتفي بالصمت و تظهر المقابل. إنها تعيش في داخلها صراعا حقيقيا قد يكون صراع عاطفي، و قد يكون صراع وجودي، و قد يكون صراع عقائدي، و قد يكون صراع تحرري…
   فالوحدة إذن لغة من لغات الذات تتخذها لنفسها من أجل ولوج عالم أخر، وبناء الشخصية بوجهة مغايرة. ولكي نفهم تجليات هذه الشخصية التي تتخذ من الوحدة أنيسا ورفيقا، فنحن في حاجة إلى علم النفس لدراسة الشخصية من جميع جوانبها، سواء الإجتماعية أو الثقافية أو البيئية أو غيرها، أي لا بد من الدراسة العميقة للحالة النفسية التي يتخبط فيها الشخص. فغالبا ما تكون هذه الشخصية تعيش نوعا من الأزمة النفسية و بالتالي تضطر إلى الإحتماء تحت مظلة الوحدة و خصوصا عندما يضيق الواقع، و يصبح القريب بعيد و تتغير معالم الوجود و بالتالي لم تجد من يفهم شعورها و يخرجها من هذه الوحدة لذلك تظل تعيش على هذا الإيقاع معتبرة أن وجودها و كينونتها يكمنان في هذه العزلة.
   عندما لا تجد في المجتمع من يمنحها ذلك الإخلاص، من يمنحها الحب من يمنحها الفرحة و السرور، أي عندما تتغير بنية المجتمع و تنقلب كل القيم إلى الضد، و يصبح الواقع كذابا مزيفا، يصعب على الإنسان مسايرتها و يصبح الإنسان يعيش حينذاك نوع من الصراع السيكولوجي، نظرا لتخلف الواقع و انحلال كل بنياته، و هذا ما يحيلنا على كتاب سكولوجية الإنسان القهور لمصطفى حجازي. وبالتالي يكون اللجوء إلى البحث عن الخلاص من هذا العالم المزيف، أمرا لا محيد عنه، وخصوصا أن الإنسان العربي عامة، و المغربي خاصة لا يعشق المغامرة،  وبالتالي يلتجئ إلى ارتداء أقنعة الوحدة و العزلة و الإبتعاد عن الأخرين.
   لكن مفهوم العزلة هنا يتخذ عذة أبعاد، إذ يمكن أن نجد شخصية طبعت على هذا النمط من الحياة، أي أنها اختارت درب الوحدة و العزلة منذ البداية، والنماذج كثيرة وخصوصا أولئك الذين يدخلون عالم التصوف و البحث عن الذات في تلك الطقوس و الشعائر التي يمارسونها،و هناك من يتخذها في لحظات معينة كما هو الأمر عند بعض المفكرين و الفلاسفة، والنموذج ديكارت ونيقولا ميكيافيلي و غيرهم ممن اختاروا العزلة لإنجاز مشروعهم الفكري.
   و هنا لا يمكن أن نعتبر إتخاذ الوحدة أو العزلة مرضا، لكن الأمر يختلف عند أولئك الذين يضيق بهم الواقع و يستعصي عليهم مسايرته  والإندماج فيه، و بالتالي تتوقف الحياة عندهم بسبب عجزهم و عدم تمكنهم من ممارسة التحدي و اتخاذ المغامرة كسلاح لتخطي كل العراقيل، و امتلاك إرادة قوية كالتي دعانا إليها شيخنا و رفيقنا نيتشه.
   و في الأخير نجد أن هذا النوع من الإختيار لمواصلة درب الحياة هو إختيار يختلف من شخص لأخر، نظرا لاختلاف الأنماط الحياتية و تعددها، و وجود نوع من الطبقية داخل المجتمع و بالتالي تكون العزلة سلاح عند البعض، و وسيلة من أجل التفكير و البحث و إنجاز النظريات، و عند البعض مرض فتاك يقتل صاحبة أو يلقي به في عالم الحمق بعيدا عن كواليس الواقع و مجرياته و أحداثه، و بالتالي يصبح الشخص حينذاك في ضيافة العدم.