أشكال حضور الأسطورة في الفكر الإنساني.

فريق التحرير
سسعد 

يعد كتاب “محاضرات في تاريخ الفلسفة”، جامعا لمجموعة من المحاضرات التي قدمها الفيلسوف الألماني هيجل Hegel (1770_1831)، حول إشكالية التاريخ. والسؤال عن غايته؟

إن الداعي لطرح هذا السؤال يكون دائما دافع المعرفة، أي معرفة الحاضر على ضوء ماض الإنسان. والإنسان بما هو ذات مفكرة وعاقلة، بلغة ديكارت، لها وعي وإرادة حرة، وقيمة، تعيش مع الأخرين داخل مجتمع ما، له محدداته وشروطه الخاصة، هذا التعايش يكون داخل زمان ومكان ما، إنه التاريخ.

إن التفكير في التاريخ يقودنا من حيث هو سلسلة للأحداث والوقائع، للتساؤل عن المنطق الذي يخضع له. هل هو تكرار للسابق أم هو تقدم نحو غاية ما؟  وكيف تتطور الفكرة نحو الكمال؟

من خلال تقديم هيجل لمحاضرة برلين سنة 1820م. في فصل تحت عنوان “مفهوم الفلسفة”، (من ص 55 إلى 68). بدأ الحديث عن الدور المهم الذي تلعبه الأسطورة في فعل التفلسف، مستحضرا أفلاطون كمساءَل عن توظيفه للأسطورة ، الكهف ، في فلسفته.

يرى هيجل أن الفلاسفة بشكل عام، وأفلاطون بشكل خاص قد وظف الأسطورة كي يتمثل قضاياه الفلسفية ويجعلها أكثر تفتحا أمام العقل والخيال. فتوظيف الأساطير يساعد على فهم أيسر للفكرة العامة. فتغليفها بهذه الزينة (الأسطورة) يجعلها بسيطة وسهلة على الفهم. وهو الداعي إلى الدفع بالأشخاص للتفلسف.

فسعي أفلاطون، حسب هيجل، للكشف عن مقترحاته الفلسفية بغطاء أسطوري كان هدفه حث الأفراد على التفلسف، عبر جعل أفكاره أكثر يسرا على التمثل العام. وقد يكون هذا هو سبب إقبال الجمهور على فلسفته واستحسانها أكثر عن غيرها من الفلسفات.

وقد ميز هيجل هذا النوع الأفلاطوني في التوظيف الأسطوري عن غيره من التعاليم، كالتعاليم الماسونية باعتبارها أسرارا يصعب اختراقها. وسبب عسرها على التمثل العام يرجع بالأساس، لرغبة الفاعل في فصل نظرة العامة عن مضمونها وعن وجودها الروحي الملموس. كمثل فصل النور عن إشراقته.

وعليه، فتقديم المعارف بشكل واضح وجلي على الفهم والتمثل العام، يدفع الأفراد إلى التفلسف وتعلمه.  وإذا حاولنا ربط فكرة هيجل هذه بالسياق التربوي الراهن، واستلهام فكرته حول دور الأسطورة في الشرح والتبسيط والكشف للأفكار المعقدة قصد تبسيطها، وربطها بالدرس الفلسفي المغربي، نكون بصدد “النقل الديداكتيكي” الذي من خلاله يسعى المدرس لنقل المادة العالمة إلى مادة قابلة للفهم، بسيطة يقبلها المتعلم على يسر. مستعينا بواقع المتعلم السوسيوثقافي. حتى يدفع به إلى “حب” الدرس الفلسفي، وبالتالي الرغبة في التفلسف.

بعد ذلك انتقل هيجل إلى بناء فكرته عن “التقدم”، باعتبار أن المسار التاريخي للفكرة أو الروح نحو الإكتمال يمر عبر صيرورة التطور في الزمان. فتمثل كمال الفلسفة كرؤية وفكرة ومعرفة خالصة يمكنها التحقق في “زمن طويل جدا”، لاعتبار الفلسفة حسب هيجل هي الوعي الأكثر تيقضا، ويقضتها تكمن بالذات في الارتفاع فوق هذه الحالة من الوحدة المباشرة مع الطبيعة، من خلال العمل. ولإستتباب الوحدة مجددا بقوة الروح يستلزم الأمر زمنا طويلا جدا.

ففلسفة اليوم، ليست وليدة “هنا/الأن”، بل هي عمل الأجيال كافة عبر زمن جد طويل. وببطء شديد، “فبطء روح الكون” وعدم الإسراع، هو أحد شروط تحقق الفكرة إلى جانب الزمن الطويل جدا، فالروح لا ينبغي عليه الإسراع لأن بين يديه ما يكفي من الوقت، لأنه خارج الزمان، ولأنه “خالد”. فالروح ليس كفرد يمكنه الفناء قبل تحقيق أهدافه، لأنه يملك وقتا كافيا.

الروح لكي يكتسب مفهوما قد يستخدم الكثير من الأعراق والأجيال. فهو يملك من الثروة ما يمكنه من أن ينفق أمما وأفرادا. وفي الوقت الذي تبلغ فيه الطبيعة غايتها بأقصر الطرق، نجد طريق الروح طويل وبطيء جدا لأنه تأمل.

ولفهم أكثر تدقيقا للتباطئ والنفقة والكدح، باعتبارها صفات الروح الكبرى، نستحضر مع هيجل مفهوم “الحرية”، وكيف تطور عبر التاريخ ببطء. منطلقا من جهل الإغريق والرومان وبشكل أكثر الأسيويين بالمفهوم القائل: “إن الإنسان من حيث هو إنسان، قد ولد حرا، وأنه حر”. ولم يكن أفلاطون وأرسطو وشيشرون والرومان يملكون هذا المفهوم رغم كونه مصدر كل الحقوق.

في أثينا مثلا وروما يعلمون أن هناك بشرا أحرارا، وبشرا غير أحرار (مثل البربر، والعبيد…). لذلك كانوا يجهلون أن “الإنسان حر من حيث هو إنسان”. بمعنى الإنسان بوجه عام.

عرف هذا التعيين تقدما للمفهوم، حيث ساد الإعتقاد في الديانة المسيحية، أن “المسيح حرر البشر” وجعلهم متساوين أمام الله، أي أطلقهم لبلوغ الحرية المسيحية. إن هذا التعيين يجعل الحرية مستقلة عن الولادة، لكنه تقدم عظيم. رغم كون هذا التعيين لا يزال متمايزا عن التعيين الذي يقول:” إن الوجود الحر يشكل ماهية الإنسان”. ومعنى الإنسان الحر بهذا التعيين أي حر بطبيعته، بالجوهر والماهية، هي معرفة حديثة للحرية. وهو ما جعل الحرية حقا وليس امتيازا وضعيا. جرى كسبه بالعنف والضرورة.

فمفهوم الحرية كان في البدء أقل تشكلا وتعينا وتطورا في ذاته، والأشد فقرا وتجريدا. لذلك فالفلسفة الأولى فهي الفكر العام وغير المتعين تماما، وهي الأبسط، عكس الفلسفة الحديثة التي هي الأكثر تعينا وعمقا. وعليه وجب أن نعرف هذا حتى لا نبحث في الفلسفات القديمة عن أكثر مما هو موجود فيها. أي أن نبحث فيها عن أجوبة لأسئلة العصر، وإشباع حاجات الروح غير الموجودة فيها. والمنتمية بوجه خاص إلى عصر أرقى ثقافيا.

يقول هيجل “الحاضر مرآة كل التاريخ”، أي كل التاريخ الذي مر ينعكس فيها. ويقصد بذلك، أن التعيين الذي هو ذاتية الفكرة المثلى، هو مفهوم أغنى وأوسع، لأنه الأكثر تأخرا في الزمان.

وعليه فإن أقدم الفلسفات هي الأشد تجريدا، والفكرة فيها هي الأقل تعيينا. والفلسفة اللاحقة، الأخيرة هي الأنمى، الأغنى، الأعمق، فلا مناص لها من الحفاظ والإشتمال على كل ما يبدو أنه ماض. كانعكاس المرآة. ففلسفة عصر ما، حاصلة من سابقتها، فكل فلسفة لاحقة تشمل “تعيينات” السابقة، فتكون هي هذه التعيينات، ومعنى ذلك أن الفلسفة هي “تاريخها”.

ومضمون هذا التاريخ مؤلف من النتائج العلمية للعقلانية. وليس فيه شيء عرضي (قماش، جثث الفلاسفة، ذاكرة…)، فعن طريق العمل حقق الخلود، لأن أجساد أبطال التاريخ تلاشت من جهة حياتها الفانية، لكن أعمالهم بقية خالدة، لأن مضمون منجزاتهم هو العقل. أي أصبحت أعمالهم مساهمة في العقل والروح. وليست عنصر الكون والفناء، فالفكر هو الجوهر الخالد للروح. حيث لا تدخله الديدان ولا اللصوص.. لهذا السبب فإن هذه المعارف، ليست علم ما هو ميت، مدفون، بائد… إن موضوع تاريخ الفلسفة: هو ما لا يشيخ أبدا وهو حي حاضر.

نشر بجريدة “الأخبار” بتاريخ 20/02/2014 ونشره بالاتفاق مع صاحب المقال للامانة.