!!أحلامنا البريئة التي نريد أن تكون..

محسين زويتن

أعتقد أن نسبة كبيرة من سكان المنطقة الذين يقطنون غالبهم بالدواوير الخارجة عن المدار الحضري للمنطقة والتي ترعرعوا في أرجائها, وفي ربوعها امتلكوا أبجدية الوعي الأولي, واحسب أن عددا من هؤلاء السكان يعانون من الفقر الذي عمر معهم طوال حياتهم كما عمر الظلم أحلامهم, فهم لايساهمون في تدبير وتسيير شؤونهم ما عدا إذا قلنا أنهم يخرجون في احد أيام كل ست سنوات من اجل منح احدهم أصواتهم ليس إلا…
أحلام كثيرة وجميلة راودتنا نحن الدين مازلنا نحمل بساطتنا وعفويتها وبراءتها القروية, حلما ذات عمر بأننا سنبدل قصارى جهدنا, وسنضحي بالغالي والنفيس وبما نكسب من معارف وعلم وما سنكسبه بعد لتغيير تضاريس قرانا وأحيائنا, وإحياء صدمة في الوعي الثقافي ونقله إلى السلوك الاقتصادي, وحلمنا أيضا المساهمة في القضاء على التهميش الذي حل بالمنطقة وأهلها ممن يسكنوها وحتى من رحلوا عنها مكرهين تحت قصاوة الطبيعة والإنسان… ويجب أن تتعامل معنا السلطات ومن المحسوب عليها أن كل فرد فهو مواطن حر وخاضع لكينونته البشرية في نطاق الحرية الشخصية المنصوص عليها في جل القوانين الوطنية والدولية, وكذا الحق الطبيعي الذي يولد مع كل مولود يحسب على هدا الكون, لا أن يتم التعامل معه على انه رقم في معادلة رياضية – إحصائية بالأساس – تخرج الإنسان عن وجوده المعنوي لا المادي كما يريدون.
أتذكر أننا – نقصد الشبيبة المثقفة بالمنطقة – راودتنا هذه الأحلام البريئة مرات ومرات عديدة وباءت بالفشل أحيانا, لكن هذه المرة أبت إرادتنا إلا أن تخرج إلى صوتها الحر إلى الوجود الذي سكن متخيلاتنا وأراد أن يواجه رياح التهميش التي عصفت كل قرانا والتوجه بهذه الرياح إلى الفكر الواقعي القائم على التحليل المنطقي للواقع الملموس, ولما كان الأمر كذلك سكنتنا رغبة جامحة وإرادة عارمة في أن نحط بثقلنا المعرفي والثقافي, لإخراج أهالينا من دهاليز التهميش وزنازين الفقر المدقع وراهنا في مسارنا هذا على الشبيبة القروية المثقفة وزرعنا فيها روح المبادرة والانخراط  في هذا العمل, كما يجب الاحتكاك بالفلاحين وكذا المرأة باعتبارها عنصرا أساسيا في كل الأعمال الشاقة مع أخيها الرجل في السراء والضراء. إن هدفنا من هذا كله هو التنوير الاجتماعي في المنطقة ونقصد به كل ما هو اجتماعي ثقافي اقتصادي …يمكنا أن نقول أن الحقبة الراهنة والتي سبقتها خلفت هذه التراجيديا التي زادت من تعميق الجروح ورسختها في ذاكرتنا وبعلاقتنا مع هذه التراجيديا نريد أن نفجر تيار وعي في صفوف الناس من خلال محاولة شرح وتبيانا الواقع الذي أصبحنا نعيشه, حتى لو كان وصولنا متأخرا نوعا ما, نريد أن نضع الناس أمام الصورة وفظاعتها. إن ما نعيشه من التهميش فهو راجع إلى سوء التدبير والتسيير للمجالس بالمنطقة برمتها فلو كان تدبير في إطار الحكامة الجيدة التي تتطلب العمل الرشيد والمعقلن في تدبير الأمور وهو ما تدعوا إليه الدولة : التنمية البشرية في إطار الحكامة الجيدة, لو حصل ذلك لتغيرت أشياء كثيرة ولظهرت معطيات بديلة كان من شانها أن تدفع بقرانا خطوات إلى الأمام وان تضمن حركة نشيطة في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية, ما يعني الحيلولة دون اللجوء إلى الهجرة, بيد أن قرانا مسحت دمعها بمرارة وتأملت حالتها التعسة وامتصت رحيق التهميش على مضض وأجهشت بالسخط…لا ماء لا كهرباء, لا طرق معبدة رابطة بالدواوير, لا مرافق أساسية في المستوى لتامين الاستقرار…تحولت قرانا بعد أعوام إلى فضاءلت قاتمة تنطق بعزلة ضجرة واغتراب داخل الغربة, البعض توجع وذرف الدموع بنوع من الحصرة من بعض أقوالهم ’’نمشي نقري ولادي ونشوف الضوا بشما يخرجوا أميين بحالي’’ ورحلوا وهجروا موجة تلو موجة مخلفين ورائهم أصداء أحلام طاهرة متناثرة بين الحقول الجرداء والوديان الجافة والصخور التي تحمل بصماتنا جميعا. أشياء طفيفة رأت النور مثل الكهرباء والذي لم يعمم بعد فلازال البعض ينير لياليه بنور الشموع كأنه في احد معبد من معابد الهنود أو الأسياد عندنا نحن المغاربة, فالكهرباء التي غطت بعض بقع جغرافية المنطقة أحدثت ثورة في نمط الاستهلاك ونظام التواصل, إن كهربة العالم القروي لو حدثت على الأقل  مند انطلاق مشروع كهربة العالم القروي لحدت بشكل كبير من نزيف الهجرة القروية ولو تم تجهيز المرافق الأساسية : التعليمية والاجتماعية والثقافية والصحية تجهيزا يليق بعدد سكانها وتخصيص عدد كاف من الأطر بها وتم الاعتناء بالبنية التحتية حيث السواق المتواجدة بالمنطقة فيصعب عليك الدخول إليها في يوم ممطر باحدية بسيطة “حيت خصك البوط” , وكذا بعض المسالك الطريقة التي تربط المركز, أما الطريق الرئيسي فهو في حالة سيئة جدا حيث الكل يقول انه لازال كما ورثناه عن ’ الاستعمار الفرنسي’ لو تم كل هذا لرفض السكان مغادرة مسقط رأسهم باتجاه المدن للانغماس في مستنقعات أحزمة البؤس. ها نحن الآن نجني ثمار التهميش الذي حل بالعالم القروي نتيجة الفعل السياسي الذي لم يكن ممارسوه أكفاء بما يخدم الصالح العام لا الخاص من اجل النهوض بها وجعلها ترقى إلى مستوى مدن المملكة, حيث أننا نجد تاريخ المنطقة اكبر بكثير من تاريخ بعض المدن المغربية لكن الفرق بيننا وبين تلك المدن كبير وشاسع.
أحلامنا هذه كانت هادئة وبريئة ولازالت كذلك كما كنا نحلم ولازلنا نحلم وسنظل نحلم حتى يتحقق ذلك الحلم البريء, لأننا كنا نعشق قرانا وما زلنا كذلك… ونحن الآن نحلم بان تصبح هذه المنطقة ورشة من أوراش هذا الوطن الحبيب لاتكف عن العمل وتمتهن الأمل الذي ليس بعده أمل.

تعليقات

  1. لاشك أنه موضوع شيق وجدي ومهم لأنه يفتح باب الإنخراط في جميع القصايا الإجتماعية في المنطقة، وأتمنى أن يكون ذلك مع تعبئة شاملة لكافة الفاعلين والسكان.
    أشكرك على هذا الموضوع .