النوستالجيا

مراد العلالي

     

morad

   

  عندما يجد الإنسان نفسه أسيرا لهذا الواقع المضطرب، يضطر إلى خوض رحلة استطلاعية، رحلة تعمل فيها الشاشة على إعادة ما التقط منذ زمان ،تكون الإعادة هي الرابط أي تلك العودة بالزمان إلى الوراء عودة يمكن أن أسميها بالنوستالجيا، أي حنين و شوق إلى مرحلة كانت من أبرز و أجمل مراحل الإنسان.

  إنها مرحلة الطفولة التي تجـسد ذلك النبض، تجسد تلك الحياة البريئة التي تغيب عنها كل أشكال الحقد و الأنانية و الغدر و الخيانة و الكره… مرحلة لا يمكن أن تمر دون أن تترك في المرء مجموعة من الانطباعات و التصورات و الرؤى البعيدة. إنها مرحلة الأحلام الطائشة، مرحلة الأحلام العفوية، و بناء نموذج الحياة المستقبلية على إيقاعات جمالية يكون فيها اللاشعور سيد المرحلة، والأحلام عناوين كبرى تتصدر كل الإملاءات اللاشعورية والشعورية، و تجعل كل تفكير لا يخرج عن إطارها التفاؤلي المرسوم بخطوط كبرى على التراب،إنها مرحلة الفرح بالكينونة، مرحلة يأخذ فيها الخيال مسارا ديناميا لإعطاء معنى جديد للحياة، يسودها الفرح الطفولي و اللعب و الرقص، مرحلة يجسدها ديونيزوس.

  فحين نعود بالزمان إلى الوراء و نقف عند لحظات قضيناها في الطفولة لم يعد لها مكان الآن في هذا الزمن، نتمنى لو أن الزمان توقف عندها، للأسف نحن نخضع لصيرورة تاريخية مثلنا مثل جميع الكائنات الحية منها و الغير الحية، هذه الصيرورة تجعل من هذه العودة مجرد عودة للذاكرة، عودة في الزمن.

  لكن لماذا إذن نعشق العودة إلى الوراء؟ و لماذا نسترجع

لحظات عشناها و نتأمله ؟ربما الجواب سيكون نسبي لأن الأجوبة تختلف، و لكل واحد ما يبرر به هذه العودة، لكن ما يمكن أن نلتقي عنده هو أن الواقع الآن أو المرحلة فقدت الكثير من الأمور التي كانت تطبع تلك المرحلة التي أصبح يشدنا إليها الحنين في كل لحظة، ربما الزمان تغير، ولكن ليس بالضروري أن تتغير معه كل القيم، لا بد أن يكون هناك سبب مقنع سبب حقيقي وراء هذا التغير. ربما السبب هو تغير نمط العيش و البنية الإجتماعية و الثقاتفية و الأخلاقية… و استحداث وسائل جديدة تتماشى و متطلبات العصر، أدوات جعلت من الكائن الإنساني يسب

ح داخل عالم جديد تطبعه مبادئ و قيم جديدة، وتجعل الإنسان نسخة جديدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إنسان مهجن بثقافة غير ثقافته.

  وربما أن الصيرورة التاريخية تحتم و تفرض هذا التغير ،الذي

لا يمكن للإنسان باعتباره كائنا داخل هذه المنظومة أن يسير على خلافها. بهذه المعاني و القيم الحديثة كان اللجوء إلى لحظات الماضي ،نوع من الحنين أو ما اصطلحت عليه سابقا بالنوستالجيا، وهذه العودة لها ما يبررها، إذ أن تأزم الواقع الراهن وتغير صوره و أشكاله كان كفيلا لكي يبحث الإنسان عن المعنى للحياة من جديد داخل ذاكرته و هذا المعنى لم يتبلور إلا بهذه العودة إلى مرحلة الصبا، مرحلة الأحلام و البراءة و التغني بالحياة، فشوقنا إلى نشيد:”أرسم بابا أرسم ماما”و “أنا النجار الصغير عندي منشار طويل…” و “مدرستي الحلوة…”و دب الحلزون فوق حجارة…”و “دجاجتي دجاجتي…” كل هذه الأناشيد كنا نرددها ونحن نطير بالفرح، نمرح ونرقص، و حياتنا خالية من الحدود، بل كل شيء يسير فيها وفقا لمبدأ العبثية و التيه.

  هكذا غنت لنا الحياة و أبهجتنا، لكنها لم تخبرنا بأنها سوف تتغير وستفاجئنا بمفاجئات عدة، قد تلقي بنا في غيبات الجب، وتجعلنا نصارع أمواج البحر من أجل البقاء، يا للأسف كم كنا عند تلك اللحظة نتمنى لو كنا كبارا و خصوصا عندما كنا نذهب لنلعب كرة القدم، ونجد من هم أكبر منا يلعبون، ويمنعوننا من اللعب و يقولون لنا “مازلتم صغارا” كنا نحس عندها بنوع من التعسف، لكن دون أن نبالي و نحقد، بل كان الجميل هو أن تشعر بأنك صغير و هناك من هم أكبر منك، إنها الطفولة ال

تي تعشق المغامرة و التحدي و ركوب الأمواج طفولة عنوانها البراءة التي تمنح للأفعال سرها و تجلك عند اللحظة طائرا في السماء.

  صحيح أن الحياة تتغير، و الإنسان بدوره لا يمكنه أن يخرج عن هذه الصيرورة، أو عن هذا النمط من التغير، إذ لا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين كما قال الفيلسوف هيراقليطس، بل دائما هناك حركة و تغير، و ما نحن إلا لعبة داخل هذه المنظومة الهيرقليطسية، ومبدأ وجودنا لا يمكنه أن يبنى على غير ذلك، ما دام التاريخ يبرهن و العقل يبرهن و الزمان يبرهن و الإنسان يحكم في الأخير على هذه الحركة، ويخضع لها في نفس الوقت.

  دعونا نعد إلى الطفولة و نبحث عن الذات هناك علنا نبعد عنا وحش هذا الزمن الغادر الميئوس منه، دعنا ننصت إلى صوت الروح،و نبحث عن المعنى للحياة من جديد، دعنا نرفع القيود و نزيل السلاسل و نقوم بجولة إلى ماضينا و نعلنها ب.