حقيقة ثورة الأمير وأبناء الريف المغربي

فريق التحرير

     

   ما تزال الكثير من الحقائق عن ثورة الريف، وعن البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي غير معروفة للعموم، رغم كثرة ما كتب عن هذه الثورة ورغم كل ما قيل ويقال. فـجـل الذين أرخوا للثورة في زمن حدوثها من المؤرخين الاستعماريين (ليون كابرييلي، بول سكوط مورور، بيير دوما…) فليس غريبا لذلك أن يكون تناولهم لها بعيدا عن شرط الموضوعية والحياد الذي يكسب الكتابة التاريخية أهميتها وجدواها، فالأصل أن تُنقل الوقائع بأمانة دون تصرف خدمة لغاية الاتعاظ من أحداث التاريخ وعبره.

  وقد انبرى مؤرخون مغاربة لسد هذا الخصاص في الحديث عن ثورة الريف وأبطاله من أمثال محمد العلمي في «زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي»، وأحمد سكيرج في «الظل الوريف في محاربة الريف»، وعلال الفاسي في «الحركات الاستقلالية في المغرب العربي» فأنصفوا الزعيم وأنصفوا ثورته مما لحق بها من تحامل مؤرخي الاستعمار، وإن فضلوا التغاضي عن الكثير من الوقائع التي ما يزال المغاربة مشرئبي الأعناق نحوها، وفي مقدمتها علاقة الخطابي بالقصر وحقيقة جمهورية الريف، ولهم كل العذر في ذلك، فمن يقرأ ما كتبوه في سياقه التاريخي يلمس أنهم كانوا متجردين في تناولهم لقضية الثورة الريفية إلى أبعد حد، وأنهم تحدثوا فيما سمحت به ظروف تلك المرحلة وتركوا ما سوى ذلك لحينه…

  ولربما كان الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي نفسه واعيا بالتخبط الذي ستقع فيه الأجيال التي سيكتب لها أن تقرأ سيرته وقصص ثورته لاحقا، فقرر كتابة مذكراته قبل رحيله واتخذ موقفا صارما من العودة إلى بلده، في دلالة واضحة على موقفه من المخزن ومن استمرار تنفذ الفرنسيين في البلاد حتى بعد رحيلهم عمليا عن المغرب، وللإشارة أيضا إلى امتعاضه من بقاء بعض الثغور في يد المحتل وإلى استهجانه لإملاءات «إيكس ليبان»، وإلى اليوم لم تصل مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى القراء، وإن وصلت شذرات عن مواقفه من القصر ومن بعض المنتسبين للحركة الوطنية، وقد ضاع جزء من مذكراته التي أملاها على علي الحمامي كما أشار إلى ذلك علال الفاسي، وقيل إن محمد سلام أمزيان أعاد كتابة مذكرات الأمير ولم يكتب لها أن ترى النور ليظل استجلاء الكثير من الحقائق عن ثورة الريف وشخص محمد بن عبد الكريم رهينا بظهور هذه المذكرات يوما، وقد كانت جريدة «المساء » قد نشر ت ورقات مما خطته أنامل الأمير، ولكن أبناءه رفضوا الإفراج عنها كاملة لأسباب مبهمة.

   وعلى العموم فما نجهله عن ثورة الريف حتما أكثر مما نعرفه، وأسباب قصور الثورة الريفية عن بلوغ غاياتها لم يمط عنه اللثام بعد، ولكنه لم يعد سرا اليوم أن رؤية الأمير للاستقلال ونظرته للتحرر كانت تقض مضاجع الإدارة الاستعمارية، حتى وهو معزول في القاهرة، فعند انتصار الأمير في أنوال أطلقت عليه الصحافة الغربية لقب «نابليون الريف» وليس اللقب هنا صدفة أو دعاية إعلامية، فقد ظهر منذ البداية أن الأمير آمن بالمغرب الكبير، وتعززت فرضية رغبته في توحيد المغرب تحت راية واحدة في القاهرة، وكانت صلته بالزعماء المغاربيين وثيقة، وقد كتبت العديد من الصحف في بلاد تركيا ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية غداة هروب الأمير من الباخرة التي أقلته من منفى لارينون إلى فرنسا والتحاقه بمصر، أن الزعماء المغاربيين ضالعون في تهريب محمد بن عبد الكريم، وأن انعتاقه من ربقة القيد له ما بعده، وهو ماتحقق بعد حين، فقد أعلن الأمير في أحد البيانات بعد تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي أنه سيواصل السعي لجمع كلمة الزعماء وتحقيق الائتلاف بين الأحزاب الاستقلالية في كل من مراكش والجزائر وتونس بقصد مواصلة الكفاح في جبهة واحدة.

  ومن أهم الأسس التي شكلت مبادئ الميثاق الذي اجتمع عليه المغاربيون أن المغرب العربي سيتوحد تحت راية الإسلام، وأن الاستقلال المأمول هو استقلال لكل أطراف المغرب العربي، وألا تفاوض مع الإدارة الاستعمارية إلا بعد الاستقلال حتى لا يكون الاستقلال أعرج، وأن حصول قُطر على الاستقلال لا يسقط المطالبة باستقلال باقي الأقطار.

  كانت ثورة الريف آخر محاولة مغربية لاستعادة إرث الأسلاف المرابطين والموحدين، ولربما كان إيمان الأمير بالمغرب الكبير نابعا من تشبثه بتاريخ أمته وموروثها الثقافي الذي نهله من ينابيع القرويين، التي آزرته في معركته وروجت لثورته على نطاق واسع، ونصرت مواقفه عبر علمائها ورجالاتها المرموقين. حقيقة أنه لم يكتب لتلك المساعي أن تصل إلى أهدافها المنشودة، ولكنها حلقة في سلسلة التدافع الحضاري بين المغاربة وخصومهم التاريخيين، ولا يمكن بحال عزلها عن سيرورة التدافع الذي انطلق منذ «وادي لكة» وتأجج في «الزلاقة» و»الدنونية» و»العقاب» وغيرها من الوقائع مهما حاول البعض صبغها بصبغة إقليمية ضيقة، فالثابت أن الأمير كان أبعد الناس طرا عن العنصرية والقبلية في كل اختياراته.