الوقف: نموذج من نماذج الرقي الحضاري للمغاربة

فريق التحرير

      إتماما لما بدأناه  من حديث عن مجالات الوقف ودوره الرائد في التنمية والحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع المغربي زيادة على تحفيز البحث العلمي وإشاعة الاهتمام بطلب العلم  في الأوساط الحضرية والقروية على حد سواء ، نضيف بأن الوقف قد حافظ على إلى أبعد الحدود على تماسك النسيج الاجتماعي وقلص الهوة بين الطبقة الميسورة والمعدمة وخلق مجالا خصبا للتكافل بين كل فئات المجتمع ، فلكأن المغاربة  جسد واحد إذا أصيب منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمى ، وقد تحول الوقف بفضل إقبال المغاربة إلى ركيزة هامة من ركائز التنمية الاقتصادية ومحرك لعجلة الاقتصاد وداعم للمبادرات الاقتصادية الخلاقة ، وفوق هذا وذاك مثل الوقف واحدا من أهم التدابير التي تلجأ إليها الأمة في دفع بغي عدوها ومنبعا متدفقا لتمويل البعوث العسكرية وتجييش الجيوش وتشييد الحصون والقلاع ، ولأن الوقف صورة من أرقى صور التمدن والحضارة التي مرت بهذه الأمة في تاريخها فإن أجدادنا  عمدوا إلى  تحبيس أموالهم على كل ما يخدم قضايا الإنسان الملحة ، فحبسوا أموالهم على تزويج الفقراء وتحفيز الصناع على الإبداع وحبسوا مالهم على تأليف قلوب أبناء الملل الأخرى من يهود ونصارى  وكان للحيوانات عينها نصيب في أوقافهم تعالج منها وتطعم ، وكفى بالوقف على الحيوان دلالة على أن الإنسان ماكان ليترك في تلك الأزمنة الذهبية لصروف الدهر تعبث به دون أن يجد  من مواطنيه الدعم والمساندة .

دور الأوقاف الاجتماعي  :

       إن الباحث في التراث الاجتماعي المغربي ليصاب بالدهشة حين يلمس حجم التماسك الذي عرفه المجتمع  بين مختلف مكوناته من خلال الوقوف على الأوجه التي كان يحبس عليها الناس أموالهم ولا نشك لحظة أن تدين هؤلاء وحسهم الوطني العالي كانا سببا رئيسا في انخراطهم  في قضايا أمتهم حتى النخاع ، يقول ابن مرزوق في المسند متحدثا عن كفالة اليتامى بالمغرب  ” فلا يكاد يقع بصرك على يتيم في بلاد المغرب إلا وهو مكفول ”  وقد نقل في نفس المصدر عن أبي الحسن المريني أنه أجرى لسائر الأيتام من سائر القبائل ما يتمشى به أحوالهم ويستغنون به عن التكفف والعالة ، وأنه دأب في كل عاشوراء على جمع الأيتام الذين يفتقرون إلى الختان فيقيم لهم حفلا ويختنهم ويغدق عليهم الهدايا والأعطيات وتلك كانت سنة جارية في بلاده  قام بها أولاده وخلفاؤه من بعده ، وكذلك كان الشأن بالنسبة للشيوخ فقد هيأ لهم أبو الحسن دورا خاصة لإيوائهم وخدمتهم وقد أشار ابن القاضي إلى واحدة من هذه الدور وهي دار ” أبي حباسة ” بنيت على مقربة من مسجد الأندلس،وفي تازة أقيمت ” دار الزمنى ”  بدرب ابن بطاش  خصيصا لإيواء الشيوخ بحسب ما تفيد الحوالات الحبسية ، وفي سائر بلاد المغرب وجدت دور وأوقاف خاصة بالفقراء والمساكين نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ملاجئ الفقراء التي أشار إليها الوزان الفاسي بحاحا وفيها دليل  قوي على أن الوقف لم يكن خاصا بالمدن المعروفة دونا عن البوادي والقرى ، إضافة إلى الدور التي أقيمت بفاس وخصصت للمساكين والمحتاجين ومن ضمنها  دار بدرب السعود بحي الجزيرة بفاس، وقد استفاد الفقراء كذلك من البساتين والغلال التي حبست عليهم كعرصة باب بني مسافر بفاس وغيرها ، وكانت هذه الأوقاف تضمن لهؤلاء كسوتهم ومعاشهم وتقيهم مذلة السؤال .

 دور  الأوقاف الإنساني  :

       لعل الجانب الإنساني في الأوقاف لا ينفصل عن الجانب الاجتماعي  فهما متداخلان إلى أبعد الحدود غير أن الأول أخص من الثاني فإذا كانت الأوقاف الاجتماعية قد اعتنت بحاجات الناس الضرورية من مطعم ومشرب وملبس فإن الأوقاف التي سنسميها إنسانية قد اعتنت بالحاجات الكمالية وذلك مظهر هام من مظاهر الرقي الأخلاقي والحضاري ، إن الوقف في هذا المنحى يختزل نظرة المجتمع المغربي للإنسان الذي لا ينظر إليه ككائن يسعى لتلبية احتياجاته من الطعام والشراب وكفى بل ككائن لا تقوم للدولة قائمة إلا بالحفاظ على كرامته وصيانة مشاعره عن أن يلحق بها أذى، ومراعاة عواطفه وأحاسيسه، وعليه فقد حبس المغاربة أموالهم على تعويض الخسائر التي يلحقها صغار الصناع بالأواني وباقي المنتوجات أثناء فترة تعلمهم الصنعة ، فمن انكسر له شيء من تلك المصنوعات قامت الأوقاف بتعويضه فلا يترك مسوغ بعدها لصاحب المعمل أو الورشة كي يؤنبه أو يعاقبه ، وإذا كان اعتناء الأوقاف بمشاعر صغار الصناع على هذا النحو فكيف كانت عنايتها بغيرهم ؟ ؟ .

      لقد  خصص المغاربة الكثير من أوقافهم لتزويج الشباب الذين لا يملكون  مالا وحبسوا منازل فخمة لإقامة حفلات الزفاف وتزيين العرائس ومن أشهر تلك الدور دار الشيوخ التي كانت معدة لتعريس المكفوفين بفاس وتوجد بين الصاغة ورحبة القيس برياض جحا وأغلب الظن أنها  جزئت وحولت إلى مجموعة من الدور والحوانيت اليوم ، وحسب إفادات بعض المسنين من المحتمل أن تكون هي عينها الدار التي تظهر في الصورة المرفقة بهذا الملف ، وقد التفت أجدادنا  إلى حاجات  الغرباء الذين تضطرهم بعض الظروف إلى مغادرة أوطانهم  فأقاموا لهم منازل مستقلة لضيافتهم وعليه فقد عرفت حاضرة هسكورة دارا للضيافة أعدت للغرباء كما عرفت مدينة بولعوان  دارا لإرفاق عابري السبيل على نفقة ساكنة المدينة وكانت هذه الدور توفر للغرباء علاوة على المطعم والمشرب ملابس الصيف والشتاء ، وبمراكش أقيمت دار لاحتضان النساء اللواتي وقعت بينهن وبين أزواجهن خصومة يقمن فيها إلى أن يزول التنافر والخصام فيعدن معززات مكرمات لا تشعر الواحدة منهن ألا ملجأ لها إذا اضطهدت أو ظلمت في بيت زوجها  وخصصت بفاس أوقاف لتعليم النساء وتدريبهن على الخياطة والكثير من الأعمال التي كانت تلائم طبيعتهن الأنثوية آنذاك .

      وقد تكفلت الأوقاف إضافة إلى كل ما تقدم بسداد ديون المعسرين وفي هذا السياق تفيدنا المصادر التاريخية بأن أبا عنان المريني قد خصص أوقافا لسداد ديون المحبوسين لأسباب مادية كما تكفل بقضاء ديون من توفى وعليه دين في سائر بلاد المغرب  .

دور  الأوقاف الاقتصادي :

      ساهمت الأوقاف في تنشيط الاقتصاد في كثيرمن الأحايين وقدمت حلولا عملية لأصحاب المبادرات الاقتصادية من الذين يعوزهم الدعم المالي فخصصت أوقاف لتسليف المحتاجين بدون فوائد ومتى تمكن المستفيد من تنمية مشروعه أعاد القرض إلى خزينة الوقف ليستفيد غيره ، وإلى جانب القروض المادية كانت هناك قروض عينية لتشجيع المزارعين ودعم الإصلاح الزراعي فمن احتاج إلى بذور أخذها من أملاك الوقف وأعادها متى تأتى ذلك ، وقد وفرت الأوقاف مساكن بأثمنة بخسة لمن لا يقدر على اقتناء بيت مستقل ، وأسهمت في توفير مناصب للشغل من خلال الحوانيت والحمامات والمتاجر المعدة للكراء بأثمنة مناسبة كما ساهمت في صيانة المرافق العمومية وتعميمها في كل بلاد المغرب ومن ذلك إنشاء السقايات لتزويد الناس بالماء حتى قال أبو الحسن بن محمد بن فرحون اليعمري  ” ما مررت في بلاد المغرب بسقاية ولا مصنع من المصانع التي يعسر فيها تناول المياه للشرب والوضوء فسألت عنها إلا وجدتها من إنشاء السلطان أبي الحسن ” وإذا كان هذا من عمل أبي الحسن المريني بمفرده فكيف بعمل غيره من الملوك وذوي اليسار من أهل المغرب الأقصى ؟  ولا يخفى هنا ما لهذه السقايات من أهمية في تنشيط الاقتصاد بمختلف حواضر المغرب فمنها شراب الدواب والبهائم ولا غنى عنها في البناء وغيره من الأعمال المدرة للدخل وفي سياق الحديث عن المرافق العامة بقي أن نضيف أن الأوقاف ساهمت في تمهيد طريق السابلة وإنارة الدروب المظلمة وغير ذلك مما كان يدخل في صميم المصلحة العامة .

دور الأوقاف العسكري  :

      أسهم الوقف في الحفاظ على أمن وسلامة الأمة المغربية فقد خصصت مداخيل بعض الأوقاف لتحصين الثغور وترميم الأسوار وتجهيز الجيش كما حبس الناس خيولهم وأسلحتهم على الجنود والمتطوعين المنقطعين للغزو والقتال وحبسوا المال لفكاك الأسرى واستنقاذهم وقد عرض الوانشريسي لنازلة يسأل صاحبها عمن حبس فرسا للجهاد هل يلزمه علفه أم  يلزم من يستعمل الفرس ، وهذه النازلة وغيرها توضح مدى اهتمام المحبسين بقضايا الغزو والحروب .

دور  الأوقاف في تأليف  أهل الذمة  :

        عاش اليهود والنصارى في كنف حكام  المغرب في أمن وسلام سواء في عدوة المغرب الأقصى أو عدوة الأندلس وقد بلغ من تسامح المغاربة معهم أن أقروهم على أوقافهم ومثال ذلك ما أشار إليه الإدريسي من وجود أوقاف بشلب للإنفاق على الكنيسة وإكرام الأضياف وقد وقف المغاربة أموالهم على تأليف قلب هذه الفئة من الناس ومن ذلك أنهم حبسوا المال على من أعلن إسلامه من أهل الذمة ، كما حبسوا المال على الإنفاق على الأسرى من النصارى الذين يقعون في أيدي المسلمين ، فليس غريبا بعد ذلك أن يقول ” رينو” عن التسامح الديني الذي طبع علاقة المسلمين بالغرب الإسلامي بغيرهم من أبناء الملل الأخرى  :” إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين ، فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير ” .

دور  الأوقاف في ترسيخ ثقافة الرفق بالحيوان  :

       لعله من المثير حقا أن نُذكر بأن مبدأ الرفق بالحيوان قد عرف بداياته عندنا قبل أن ينتقل إلى الغرب بزمن غير يسير وأجلى مظاهر الرفق بالحيوان أن يوقف الناس أموالهم على العناية به ففي مدينة فاس وجدت أوقاف خاصة بطائر اللقلاق يعالج بعائداتها إذا جرح أو انكسر كما وجدت أوقاف لإطعام الدواب الضالة كما كان في أحواز فاس بلاد موقوفة على شراء الحبوب برسم الطيور حتى تلتقطها كل يوم في موضع يعرف ب “كدية البراطيل ”  وقد جاء في السلسل العذب والمنهل الأحلى  للحضرمي أن محمد بن موسى الحلفاوي نزيل فاس أعد دارا يجمع فيها الحيوانات الأليفة ويطعمها بيده  .

       وختاما نشير إلى أن  الأوقاف المغربية تجاوزت  حدود المغرب الجغرافية بعد أن حبس الناس أموالهم على الكعبة المشرفة وبيت المقدس وأن المغاربة انخرطوا عن بكرة أبيهم في إرساء قواعد  هذا  النظام الذي يعد بحق  من أنجع النظم التي عرفها  تاريخنا في حل المشاكل الاجتماعية  و الاقتصادية وفي تخفيف أعباء النفقات عن الدولة ، لأنه يعبر بوضوح عن صدق  انتماء المرء لقضايا أمته فما ازدهرت الأوقاف وبلغت ما بلغته إلا لأن انتماء أجدادنا للمغرب كان انتماء أصيلا لا تشوبه شائبة فشتان بين هؤلاء الذين بذلوا ثمرة كفاحهم طواعية في خدمة وطنهم وبين غيرهم ممن يختار اليوم وجهة غير أرضه التي احتضنته وأغدقت عليه من خيراتها ليهديها باكورة جهده وعمله ، فأيهما أوثق صلة وأقوى ارتباطا بأوطانهم بحق الله هؤلاء أم أولئك ؟ ؟ .