مطاعم القلب

فريق التحرير
  
   Sans titre 1
   كل الفرنسيين يعرفون اليوم ” مطاعم القلب ” ليس لأنها تقدم أشهى الوجبات ولا لأنها الأغلى ثمنا فلا يؤمها غير الميسورين ، ولكن خصوصية هذه المجموعة من المطاعم تنبع من كون وجباتها اختلطت قبل وأثناء تحضيرها بمشاعر جياشة نابعة من القلب فوصلت إلى مستهلكيها دافئة دفئا إنسانيا لا تكاد تجده في كل المطاعم التي وضعت الربح وجيب المستهلك هاجسها الأول والأخير، مطاعم القلب لا تستهدف جيب الجائع وإنما غايتها الأولى أن ترسم البسمة على شفاه آلاف المشردين ولهذا أنشئت في الأصل، فقد اكتشف الكوميدي الفرنسي كولوش صاحب اللسان اللاذع الذي أدخل البهجة على قلوب الفرنسيين بسخريته المُرة أن هناك فئة من الناس ليس من السهل إضحاكها، تلك الفئة من المشردين الذين لا يلتفت إليهم أحد عادة، يتجولون في الشوارع ويبحثون عن أطعمتهم وسط القمامة وبين فضلات الآخرين، ثم ينامون حيثما اتفق، عندما اكتشف كولوش كل ذلك قرر أن يضع حدا لمعاناتهم وحرمانهم، فقال قولته الشهيرة ” لا يمكن أن نسمح بوجود إنسان جائع في عالمنا ” يومها تحرك ضمير ملايين الفرنسيين لأن منتسبا للنخبة قرر كسر جدار الصمت ولم يكتف بإطلاق صرخته تلك فقد انتقل إلى العمل ووضع أمواله رهن إشارة مشروعه الإنساني الذي سيحمل اسم ” مطاعم القلب” فأنشأ أول مطعم له ليقدم وجبات مجانية للفقراء والمشردين.
   كان كولوش مولعا بالدراجات النارية، وبدراجته وهيئته المضحكة المحببة إلى قلوب الفرنسيين أخذ يطوف على أرباب المعامل والمصانع والتجار وكل من توسم فيه أنه سيقدم شيئا لفكرته، فسرت الفكرة بين الناس سريان النار في الهشيم، وتحول المطعم إلى مطعمين ثم ثلاثة، ثم إلى مئات المطاعم، مات كولوش في حادثة مأساوية فوق دراجته الأثيرة، ولم تمت فكرته، فقد احتشد لها اليوم ما يزيد على خمسين ألف متطوع يتوزعون على مجموع التراب الفرنسي وجذبت الملايير من هبات المحسنين الذين أيقظت مبادرة كولوش ضمائرهم.
   في كل الأزمنة والأمكنة كان هناك عظماء لا يجعلون إشباع رغباتهم مبلغ همهم ولا ينظرون إلى ذواتهم على أنها محور للكون، بل على العكس من ذلك كان محور اهتمامهم قضايا الناس الملحة وآلامهم، تذكر كتب التاريخ أن كل بيوت المدينة القديمة بفاس كانت مطعما للقلب مفتوحا في وجه الجميع، وحتى وإن لم تكن تحمل التسمية ذاتها في ذلك الزمن المشبع بالتقاليد النبيلة فإن المبدأ واحد، ففي أيام الجمعة حرصت بيوتات فاس على إعداد الأطعمة ونقلها إلى المساجد ليجتمع حولها الناس من مختلف الفئات العمرية بل والاجتماعية كذلك حتى لا يحس الفقير أو الجائع أنه وحيد مهمش، وفي المدارس العتيقة أشارت بعض المصادر التاريخية إلى أن بيتا واحدا من بيوت فاس كان يتكفل بطعام طلبة العلم بالمدرسة المصباحية التي كان ينتظم بها المئات لمتابعة دروسهم .
   مطاعم القلب  هنا في الماضي أو هناك في يومنا هذا مؤشر على سلامة الأحاسيس وسلامة العلاقات الاجتماعية، وإن مجتمعا يتضمن مثل هذه التجارب ويحتضنها لجدير بكل احترام وتقدير، فعادة ما يتعلق الناس بالآمال الكبيرة والشعارات البراقة لكن هذه القضايا الصغيرة (وجبات الضعفاء ولباسهم و ..) لا تستأثر باهتمام أحد مع أنها الأقرب لحياة الناس ومعاشهم، فالجوع الذي حاربه كولوش عدو يستهدف الجميع يصيب الصغار والكبار والبيض والملونين، بقي أن أشير إلى أن معظم المتطوعين في سلسلة مطاعم القلب فتية صغار السن وأن معظمهم من طلبة الجامعات الذين كانوا ولا يزالون الأقرب إلى هموم المستضعفين من الخلق، فهم خاصة الخاصة بما يحملونه من عواطف جياشة وقيم نبيلة لم يطلها التصدع الذي طال حياة العامة ممن ابتلعتهم مشاغل الحياة.