الأوقاف ودورها في الحياة الدينية والعلمية بالمغرب

فريق التحرير

 

  الوقف في اللغة هو الحبس والمنع وفي الاصطلاح الفقهي حبس الأصل وتسبيل المنفعة ومعناه منع التصرف في الأصل سواء كان هذا الأصل عقارا كالمنازل والدور أو مالا كالذهب والفضة أو منقولا أو غير ذلك مما يجوز وقفه وهنا يتضح الفرق جليا بين الوقف والتبرع ،إذ ينشأ عن التبرع بذل أصل الشيء المتبرع به بينما تظل منفعة الوقف قائمة ولا ينتفع بأصله ، وللوقف أنواع ثلاثة،  فهناك الوقف الخيري وهو الذي يقصد به الواقف التصدق على جهة معينة سواء تعلق الأمر بأشخاص كطلبة العلم أو المرضى أو المعوزين أو تعلق الأمر بمنشآت كالمساجد والمستشفيات وغيرها وهناك الوقف الذري أو الأهلي والذي يكون استحقاق ريع الوقف فيه للواقف أولا ثم لأولاده وأقاربه مجتمعين أو منفردين ولجهة بر لا تنقطع بعد ذلك والنوع الثالث هو الوقف المشترك وهو يجمع بين النوعين المذكورين .

  إن الوقف إنطلاقا من هذا التعريف مجال للتنافس في الخيرات وقد عرفه المغاربة في كل الدول التي مرت بهم فنمت موارده وتشعبت مجالاته واتسعت الفئات المنخرطة فيه بذلا وانتفاعا حتى شمل مختلف جوانب الحياة  لا يغادر منها جانبا ، صحيح أن كتب التاريخ لا تقف كثيرا عند هذا الجانب المشرق من حياة  سكان المغرب الأقصى ولا توليه ما يستحق من العناية لأنها غالبا ما كانت تؤرخ للوقائع والأحداث الكبرى والحروب والمعارك فإذا عرضت للوقف فليس ثمة غير إشارات عابرة لا تشفي غليلا ، غير أن مصادر أخرى لا تقل أهمية عن كتب التاريخ ساهمت إلى حدما في تسليط الضوء على أهمية الأوقاف وأدوارها ككتب النوازل الفقهية التي تعبر بوضوح عن تفاعل المجتمع مع قضايا الوقف من خلال المسائل التي كانت تطرح على الفقهاء ، بالإضافة إلى الحوالات الحبسية التي أحدثها المرينيون وهي عبارة عن سجلات لتدوين ممتلكات الأوقاف ولا شك أن الانكباب على دراستها اليوم وتفريغ محتوياتها سيسلط الضوء بشكل جلي على الكثير من المعطيات التي أغفلتها كتب التاريخ ، ناهيك عن النقوش التي نجدها في الزوايا والمدارس التاريخية والمساجد والتي تشير غالبا إلى إسم الواقف والموقوف عليه وقيمة الأوقاف .

  ومعلوم أن اهتمام المرينيين بالحياة الفكرية والعلمية وما نشأ عن ذلك من تزايد الاهتمام بدراسة التاريخ وكتابته وبروز مؤرخين كبار من طينة ابن خلدون وابن مرزوق الخطيب ولسان الدين بن الخطيب في البلاط المريني قد سهل على الباحثين مهمة البحث والتنقيب في الوقف إبان حكمهم ولكن ذلك لا يعني إطلاقا أن العصور التي سبقت العصر المريني لم تشهد تطورا ملحوظا لهذه الظاهرة فكلنا نذكر أن فاطمة الفهرية وأختها مريم قد قامتا بتحبيس أموالهما على جامعي القرويين والأندلس وقد كان لمبادرتهما الطيبة ما بعدها فبعد رحيلهما تنامت أوقاف القرويين حتى صارت معظم بنايات فاس ومنشآتها في العصر الموحدي ملكا للقرويين والملاحظ أن بدايات الوقف بالمغرب قد ارتبطت إلى حد كبير بالجانب الديني فكانت أغلب الأوقاف على ذلك مرتبطة بالمساجد وصيانتها وإقراء العلوم الشرعية بها رغم أن ازدهار الأوقاف وتناميها( كما يلاحظ من خلال النوازل التي تعرض لها الفقهاء )فتحت المجال أمام اتساع ميادين الوقف خاصة وأن الكثير من المساجد حققت ما يسد حاجتها ويزيد عليها مما طرح سؤال جدوى التحبيس على هذه المساجد ، وهكذا ستظهر الأوقاف على الكراسي العلمية وعلى طلبة العلم ومن يدور في فلكهم فخدام المساجد والمؤذنين والأئمة الذين كانوا يزاولون مهامهم تطوعا في السابق سيحصلون على رواتب قارة كما ستخصص أوقاف هامة لصيانة الجوامع وترميمها وإنارتها وسيكون للأوقاف دورهام في إنعاش الحياة العلمية بعد أن خصصت الكثير من عائداتها للمتفرغين للعلم طلبا وإقراءا وقد عرفت فاس بروز الكثير من الكفاءات العلمية التي استفادت من هذه الأوقاف نذكر منها على سبيل المثال العلامة الوانشريسي أبو الربيع وأبو محمد سقين وابن غازي المكناسي والمقري التلمساني وأحمد المنجور وغيرهم إن الانتقال من الأوقاف الدينية إلى الأوقاف العلمية كان انتقالا سلسا يسيرا لترابط العلوم الشرعية والدين ترابطا وثيقا فما أسرع ما ظهر التحبيس على المدارس بعد تناميها في العهد المريني ولعل من بين أهم الأسباب التي ساعدت على هذا الانتقال النوعي والكمي في نفس الآن في الأوقاف هو انتشار المذهب المالكي بالمغرب حيث كان الإمام مالك يجيز الحبس في كل شيء مثل الثياب والدراهم والدنانير بل حتى الحيوان بخلاف أبي حنيفة الذي أبطله مطلقا أو غيره ممن قال بأن الحبس لا يجوز إلا في سلاح أو كراع ويظهر أن مرونة المذهب المالكي في هذا الباب كان لها أبلغ الأثر في تطور الأوقاف بالمغرب وتناميها يقول ابن مرزوق الخطيب في ” المسند الصحيح الحسن ” متحدثا عن المدارس التي أنشأها أبو الحسن المريني  ” وأنشأ مدارس بالمغرب الأقصى والأوسط كتازى ومكناسة وسلا وطنجة وسبتة وأنفى وأزمور وآسفي وأغمات ومراكش والقصر الكبير وبنسليمان وسبتة ، وكلها قد اشتمل على المباني العجيبة  والصنائع الغريبة والمصانع العديدة ، والاحتفال في البناء والنقش مع ما ينضم إلى ذلك من الأحباس التي تقام بها ويحفظ بها الوضع مما يصلح به ويبنى ويجري في المرتبات على الطلبة والعونة والقيم والبواب والمؤذن والإمام والناظر والشهود والخدام … 

  وهذا يرشدك إلى ما قد يحتاج إليه في كل مدرسة من هذه المدارس هذا مع ما حبس في جلها من أعلاق الكتب النفيسة والمصنفات المفيدة “

   ثم يخلص ابن مرزوق من حديثه عن هذه المدارس التي تشتمل على الكثير من الموقوفات إلى خلاصتين هامتين أولاهما أنها كانت سببا في إزدهار الحياة الفكرية والعلمية إذ يقول  ” فلا جرم كثر  بسبب ذلك طلب العلم وعدد أهله ”  ، والثانية أن ذلك شكل ميزة للمغاربة فحتى وإن اتسعت الأوقاف في بلدان أخرى فلا تصل إلى ما وصل إليه المغاربة حسب ابن مرزوق يقول في المسند  ” وغاية ما يحفظ لملك من الملوك في المشرق مدرسة واحدة أو ما يقرب منها  ” ولعل ابن مرزوق هنا لم يجانب الصواب فمآثر أبي الحسن في كل بلاد المغرب الاقصى والأوسط بل وفي القيروان نفسها شاهدة على صحة استنتاجه  ويعرض الوانشريسي في معياره للعديد من النوازل التي نستشف منها أن الأوقاف اهتمت بأدق التفاصيل المتعلقة بالحياة الدينية للمغاربة ومن أمثلة ذلك أن مصابيح إنارة بعض المساجد كانت توقد من غلة الأحباس ،وفيما له صلة بالحياة الفكرية والعلمية يفيدنا المعيار بأن الفقهاء أفتوا بعدم جواز استغلال أملاك المدارس لمن لا يدرس حتى ولو تعلق الأمر بمجرد استعمال الماء، وفي ذلك دلالة عظيمة على طابع الاحتراز الذي كان يبديه المجتمع المغربي إزاء  تبديد أموال الوقف في غير وجوهه المشروعة.

    وفي نفس السياق تشير الحوالات الحبسية إلى أن أم المنصور السعدي (مسعودة الوزكيتية ) حبست حوالي سبعين حانوتا غير نصف على الجامع العظيم بباب دكالة بمراكش وعلى خزائن كتبه وكراسي علمه، كما استفادت العديد من المكتبات في ربوع المغرب الأقصى من أوقاف عبارة عن كتب وقفها المحسنون على طلبة العلم مثل مكتبة المسجد الأعظم بمكناس ومكتبة الجامع الأعظم بآسفي ومكتبة ابن يوسف بمراكش ومكتبة القرويين بفاس وغيرها من المكتبات  .

    ولنكون فكرة عن حجم هذه الأوقاف التي قامت مقام الدولة في الاهتمام بالشأن الديني والعلمي بالمغرب من خلال التكفل بموارد المساجد والزوايا والمدارس  نذكر ما ساقه العلامة محمد المنوني في ” ورقات عن الحضارة المرينية ” من أن أوقاف  جامع القرويين لوحده بلغت في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري عشرة آلاف دينار فضية سنويا ،ويقدم لنا المعيار المعرب في جزئه السابع معلومات قيمة عن تنوع الأحباس التي شملت الأراضي الزراعية والبساتين والخيل والدور والحوانيت والحمامات حتى أن مداخيلها كانت لا تقل في أحايين كثيرة عن مداخيل بيت المال وقد حدث أن أحرق السجل الذي قيدت فيه أوقاف القرويين فضمت أملاك فاس كلها للقرويين إلا من أتى بما يثبت ملكيته لداره أو أرضه، وفي عهد السلطان المريني   أبي سعيد الثاني مول السلطان حروبه من هذه الأوقاف مما يدل على أهمية مداخيلها وسيشهد الوقف طفرة ملحوظة بعد تنامي مداخيله ليشمل جوانب متعددة إذ سيحبس الناس أملاكهم على خدمة الفقراء والمعوزين والمرضى وأسرى المسلمين والجنود .