أبو الربيع سليمان الموحدي

فريق التحرير

ماذا عسانا نقول عن الأمير الموحدي أبي الربيع سليمان ، فقد صال في ساح الطعان وجال في ميدان البيان ، وانتهت إليه رياسة السيف والقلم ، فللحرب عنده وقت وللشعر أوقات ، وأبو الربيع أمير ابن أمير وحفيد خليفة حكم امبراطورية مترامية الأطراف هو عبد المومن بن علي الكومي ، وكان عبد المومن من الذين يحسنون النظم لكن حفيده هذا نبغ في الشعر حتى عده النقاد نظير ابن المعز العباسي وصنوه في تقريضه .
وأما والده عبد الله فكان واليا على بجاية، مشهورا بفروسيته وشجاعته فلما قضى عبد المومن نحبه أوعز أخواه إلى إحدى جواريه فسمّته ، وكانا يخشيان من سطوته وبأسه فظنا أنه يطمع في الخلافة بعد أبيهما ومع أنه ولد في بيت رياسة ومجد فلا يعرف تاريخ ميلاده على وجه التحديد ، غير أن جماعة من الذين عملوا على تحقيق ديوان شعره اختاروا عام 552ه أو 553ه كتاريخ تقريبي لولادته بناء على إشارة المستشرق “هويثي ميراندا” في كتابه “التاريخ السياسي للموحدين ” إلى أن عبد الله والد أبو الربيع التحق ببجاية واليا عام 551ه ومن المحتمل أن يكون تزوج بها ورزق بأبي الربيع بعيد زواجه بعام أو عامين ،و لا يوجد في المصادر التاريخية ذكرٌ لمشايخ أبي الربيع وأساتذته سوى تلميح إلى أنه أجيز من قبل أبي الطاهر بن عوف وأبي سعيد بن جارة لكن هذا لا يمنع من القول أنه تربى تربية راقية وتثقف في بداياته ثقافة متينة جريا على عادة الأمراء ، ومرد نبوغه ولا شك عائد إلى العناية الخاصة التي حظي بها في طفولته كما في شبابه ، فبعيد وفاة والده وهو بعدُ في الثامنة من العمر كفله الخليفة أبو يعقوب فنشأ قريبا من ولده يعقوب ملازما له .
ولما بلغ مبلغ الشباب نهض أبو الربيع بأعباء الإمارة متنقلا من الشرق إلى الشمال ثم إلى الجنوب فقد ولي أمور بجاية وبلنسية وسجلماسة على نحو ما تفيد المصادر التاريخية ، وقد جاء في الغصون اليانعة لابن سعيد ” وحيثما كانت ولايته اجتمع إليه أهل الأدب واشتهر مكانه ، فقد كان متميزا في قومه علما فيهم بهذا الشأن ” ومن تقلبه بين إمارات كان لها ثقلها في الدولة الموحدية نفهم أن مكانته عند الخليفة كانت مرموقة، فإمارة بجاية كانت محط نزاعات مستمرة فلا يُشخِصُ إليها الموحدون إلا صاحب كفاءة في السياسة والحرب ، وسجلماسة بوابة المغرب الجنوبية وموقعها الاستراتيجي يفرض أن يكون أميرها ذا خبرة عالية ، وكذلك شأن بلنسية مهوى أفئدة الصليبيين ، غير أن أبا الربيع أخفق في صيانة منصبه ببجاية فانتزعها منه بنو غانية على حين غرة مما عرضه لغضب المنصور ، ولولا مكانته في قلبه لكان له معه شأن آخر ، وقد يرى البعض أن الشعر والسياسة لا يلتقيان ولكن صاحبنا جعل الشعر طوع إرادته وكيف لا يجعله كذلك وهو الشاعر المفلق الذي يمس بقوافيه شغاف القلوب فيتمايل الصخر مع نظمه طربا
كان لغضبة المنصور أثرها على استقرار أبي الربيع فهو لم يكن يدري ما يصنع به ،فظل يتحين الفرص إلى أن قدم وفد من الشام على الخليفة فراسله أبو الربيع معتذرا عما لا يد له فيه في حادثة سقوط بجاية ومما قال :
يا كعبة الجود التي حجت لها عرب الشآم وغزّها والديلم
طوبى لمن أمسى يلوذ بها غدا ويطوف بالبيت العتيق ويُحرِم
ومن العجائب أن يفوز بنظرة من بالشآم و من بمكة يُحرَم
كانت هذه الأبيات رسوله إلى قلب المنصور فرق له وأدناه إليه ثم أعاده إلى إمارة سجلماسة .
إن رهافة حس أبي الربيع التي نلمسها في شعره،ولين جانبه الذي سارت بذكره الركبان ، وحسن خلقه الذي أجمع عليه مقربوه ، كل ذلك لا يعني أنه كان عابثا أو منصرفا عن مصالح الرعية في الولايات التي أنيطت به مهمة سياستها ، فقد جمع إلى جانب حسن الخلق صرامة وحزما لا يستقيم الحكم إلا معهما وقيل أن عاملا له كثرت فيه الشكاوى فراسله مؤنبا ” قد كثرت فيك الأقوال وأغضاني عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال ، وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار ، وعدم الاختبار ، فاحذر فإنك على شفا جرف هار “.
قال عبد الله كنون (ولا تخفى براعته )
كما يحكى أن ملك غانا حبس تجارا مسلمين عنده فلما بلغه الخبر بادر إلى مراسلته قائلا : “نحن نتجاور بالإحسان ، وإن تخالفنا في الأديان ونتفق على السيرة المرضية ونتألف على الرفق بالرعية ، ومعلوم أن العدل من لوازم الملك في حكم السياسة الفاضلة والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة ، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده ، وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها ومعين على التمكن من استيطانها ، ولو شئنا لاحتبسنا من في جهاتنا من أهل تلك الناحية ، لكن لا نستصوب فعله و لا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله . و السلام “.
وهذه الرسالة مع ما فيها من الإيجاز فهي بليغة المعنى ، رشيقة المبنى ، حوت دروسا جليلة في السياسة وقرنتها بالأخلاق ، كما نوهت إلى أن العبرة بالمآل وأن بعد النظر يقي من سوء المنقلب ، فلو شاء أبو الربيع لعامل بالمثل ولكن خلقه القويم صرفه عن الاستطالة على ضعاف الخلق ثم إنه يدرك أن اقتصاد البلاد لا يقوى مع الجور بل العمران نفسه لا يستقيم حاله مالم يستقم حال السياسة ولعمري إن هذا القول هو عينه مذهب ابن خلدون في ربط السياسة بالأخلاق والعمران والاقتصاد غير أن الأول أوجز إيجاز الأدباء ونطق عن حكمة أمير ممارس لشؤون الإمارة ، والثاني أسهب إسهاب العالم الذي يستنبط القواعد والقوانين بالاستقراء والتدبر في أحوال الأمم والمماليك مع أن الخلاصة واحدة .
طرق أبو الربيع مختلف أغراض الشعر كالنسيب والزهد والغزل وغير ذلك مما جمعه كاتبه محمد بن عبد الحق الغساني في الديوان المسمى “نظم العقود ورقم الحلل والبرود “وله كتاب آخر باسم “مختصر الأغاني” غير الكتب التي أمر بتأليفها مثل “شيوخ ابن وهب ومناقبه ” لابن بشكوال و”شرح ألفية ابن سينا الطبية” لابن رشد .
ومن أمثلة شعره وصفه لصرعى إحدى المعارك بما يلي:
والقتل أزكى في الحروب كأنما تلد الفوارس في الحروب دماء
ومصرعين مضرجين كأنما سكروا فصبت فوقهم صهباء
لم يدر قبل حفيف أجنحة القطا أن الطيور بحتفهم علماء
جيش من العقبان إلا أنه ضراء قوم عندهم سراء
وشعره في مجمله بعيد عن التكلف لا يخلو من إشارة لأحداث التاريخ ،دال على ثقافة الشاعر الفقهية في المواطن التي يعمد فيها إلى توظيف المعجم الفقهي ، متين السبك رشيق العبارة أثنى عليه النقاد وعدوه من جيد الشعر . وكما لف الغموض نشأة الشاعر وتاريخ ولادته فوفاته كذلك كانت مثار خلاف بين المؤرخين ، فبينما يحدد المقري في ” نفح الطيب ” تاريخ الوفاة في عام 600ه ، يرى ابن خلدون أنها كانت عام 604ه دون ذكر لمكانها أو لمكان دفنه .