التوجه المغربي لإفريقيا جنوب الصحراء وسياسة اللعب على الحبال.

سامي السلامي
slami_122658557
عرفت السياسة الخارجية المغربية ديناميكية غير معهودة في علاقاتها الإفريقية، ترجمتها زيارة وفد رفيع المستوى برئاسة الملك محمد السادس لكل من مالي، كوت ديفورا، غينيا كوناكري و الغابون.
 
زيارة الوفد المغربي للبلدان السابقة الذكر، تمخض عنها توقيع العديد من الاتفاقيات و الشراكات الاقتصادية و الإستراتيجية، حيث أبرمت 17 اتفاقية مع مالي تهدف في مجملها إلى تشجيع القطاع الخاص، و 26 اتفاقية مع الكوت ديفوار تهم التعاون في مجال الملاحة البحرية و الصيد البحري و المجال البنكي مع تمويل مشاريع بقيمة 110 ملايين دولار و إنشاء 600 وحدة سكنية، و 21 اتفاقية تعاون و شراكة مع غينيا كوناكري مع إنشاء “مطاحن إفريقيا” للحبوب في نفس البلد بقيمة 30 مليون دولار، و عرفت نفس الزيارة التوقيع على شراكة إستراتيجية نوعية في تاريخ العلاقات الثنائية المغربية ـ الغابونية في مجال الأسمدة و ذلك بإطلاق مشروع مشترك بقيمة ملياري دولار.
 
التوجه المغربي نحو الجنوب، أسال الحبر و المداد للعديد من المهللين لهذا الخيار الاستراتيجي واصفين إياه بالذكي، و من موقعنا هذا كباحثين في العلاقات الدولية المعاصرة، سنحاول تفكيك شفرة هذا التوجه بحيادية تامة وقودها التحليل الاستكشافي للحقيقة  وتركيبها في إطارها العلمي و المنطقي، مع الإشارة إلى أن دراستنا هذه لن تخلو من النقد الهادف و البناء.
 
 
التعاون جنوب ـ جنوب:
 
لطالما أكد العديد من المفكرين و الاقتصاديين ـ و على رأسهم “سمير أمين” ـ  أن الحل السحري لمشاكل دول الجنوب هو التعاون جنوب ـ جنوب، كخيار إستراتيجي للنهوض بهذه الدول و التنصل من أغلال دول الشمال و مؤسساتها الاستعمارية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي)؛ فمن غير المعقول أن 75 % من ساكنة العالم المتمركزة في دول الجنوب تستفيد فقط من 5 % من ثروات العالم مع اغتصاب لثرواتها من قبل الشركات المتعددة الجنسيات، في حين أن 25 % من ساكنة العالم المتمركزة في دول الشمال تسيطر على 95 % من مقدرات العالم.
 
في هذا الإطار دعا الراحل الحسن الثاني في آخر أيامه للتعزيز من التعاون جنوب ـ جنوب، و هو نفس الخيار الذي يتبناه ظاهريا الملك محمد السادس طبقا لنفس المعطيات التي سردنها سابقا.
 
و يدعي المغرب أن توجهه الأخير نحو إفريقيا، يهدف أساسا إلى تدعيم التعاون جنوب ـ جنوب، متبنيا مبدأي “الشراكة الإستراتيجية” و “رابح ـ رابح”، في سعي منه لخلق نسيج اقتصادي خاص بإفريقيا يهدف للحفاظ على الأمن الغذائي للمنطقة و تدعيم البنيات التحتية و خلق العديد من المشاريع التنموية…
 
 
البعد الاستراتيجي:
 
ترتبط السياسة الخارجية للمغرب بحليفين استراتيجيين اثنين: الولايات المتحدة الأمريكية كحليف استراتيجي في المجال الأمني فرضه الموقع الجغرافي المؤثر للمغرب، و فرنسا كشريك اقتصادي فرضه التاريخ الاستعماري.
 
إلا أن التوجه الأمريكي في العقدين الأخيرين نحو محاربة الوحدة الترابية للمغرب ـ و الذي تحدثنا عنه في دراسة سابقة “نزاع الصحراء وأبعاده الجيوسياسية” ـ و التخاذل الفرنسي بزعامة هولاند اتجاه المغرب في بعض المحطات، جعل الرباط تراجع توجهاتها الحالية.
 
كل هذه المعطيات عجلت من تغيير المغرب لنهجه التقليدي المعتمد على اللعب على الحبلين الأمريكي والفرنسي، نحو التوجه لإفريقيا جنوب الصحراء قصد ربح عمق استراتيجي و تثبيت حبل ثالث لتعزيز الخيارات.
 
 
البعد الجيوسياسي:
 
يسعى المغرب في سياسته الخارجية اتجاه إفريقيا جنوب الصحراء إلى استغلال العامل التاريخي و الديني، و يعلم صناع القرار في الرباط أن دعم الاستقرار السياسي مع خلق شراكات اقتصادية في المنطقة، من شأنه أن يقف حاجزا في وجه المخططات الانفصالية التي تهدف إلى شد أوصال الدولة المغربية و تقطيعها في إطار مخطط شامل يهم الوطن العربي كنا قد تحدثنا عنه في دراسة سابق “إسرائيل و إستراتيجية المحيط ما بين الربيع العربي ومخطط ستاينتز“.
 
و بتوجهه إلى الجنوب، يرسل المغرب للقوى العظمى رسالتين واضحتي المعالم، الأولى مفادها أن أي تهديد لاستقرار المغرب أو شد لأوصاله ـ مع ما له من تأثير ديني على دول المنطقة ـ من شأنه أن يهدد استقرار المنطقة ككل و مصالح القوى العظمى فيها، و الثانية أن أي تقسيم للخريطة الجيوسياسية بالمنطقة يجب أن يتم دون تحييد لاستمرارية النظام المغربي و تأثيراته في المنطقة.
 
 
السياسة الخارجية للمغرب و آفة الشخصنة:
 
إن حديثنا عن التعاون جنوب ـ جنوب و تحليلنا لما هو إستراتيجي و جيوسياسي، لا يحيدنا عن الحديث عن أكبر آفة تعاني منها السياسة المغربية، ألا و هي مشكلة “الشخصنة”، إذ أن المغرب ـ مثله مثل باقي دول الموز العربية، بدءا من ممالك البترودولار مرورا بالجمهوريات ذات أنظمة الحكم الشمولية وصولا إلى مملكة الـ 12 قرنا ـ يعتمد في سياسته الخارجية على شخص الملك، إذ أن أي خيار استراتيجي لا بد أن يتم في ارتباط تام به.
 
و نعلم جيدا أن السياسات المرتبطة بالأفراد لا تخرج من دائرة المصالح الفردية الضيقة، في حين أن أي سياسة خارجية يجب أن تنبني على روح المؤسسات الديمقراطية المنتخبة، و أن يكون وقودها إستراتيجية شاملة و مستمرة.
 
و من ثم، إن أي توجه مغربي ـ صوب إفريقيا جنوب الصحراء ـ مبني على سيادة ناقصة، هو مساومة أكثر منه إستراتيجية، يستهدف الحفاظ على وجود النظام القائم في عالم معاصر متحول متسم بالفوضوية.
 
جميل أن يستغل المغرب العامل الديني في بناء سياسات خارجية و ربح عمق استراتيجي في إفريقيا جنوب الصحراء، لكنه من غير المقبول أن توجه الرباط بوصلتها الخارجية دون مراعاتها للمشاكل السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية و البنيوية التي يعاني منها الداخل المغربي، ما يجعلنا نقول أن مراجعة الأجندة السياسية العامة أصبح أمرا ملحا لتلافي أي احتقان قادم.
———
سامي السلامي موقعه الرسمي من هنا تشرف بزيارته: www.samisoullami.com