زوايا فاس دويلات داخل دولة

فريق التحرير

 

Sans titre 1

لا ينفك الحديث عن الزوايا بالمغرب  عادة عن وصف مظاهر الاحتفالات التي تقام بها، وما يتخلل تلك الاحتفالات من ممارسات لا تنضبط لقواعد الشرع حيث صارت الكثير من الزوايا مرتعا خصبا لنمو البدع، وملتقى لأهل الأهواء الفاسدة، وأرباب الانحراف السلوكي والعقدي؛ مما دفع بالكثير من الذين يكتبون حول الزوايا اليوم إلى الوقوف عند حدود الممارسات المنحرفة توصيفا ونقدا ونقضا لا يتعدونه إلى حقيقة الدور التاريخي لهذه الرباطات، وبين هذه الطائفة من المبغضين للزاوية وتلك المغالية في حبها حد التقديس والتنزيه عن كل نقيصة بون شاسع تغيب في مساحاته المترامية لغة الإنصاف، ولعلنا حين نستقرئ تاريخ هذه الزوايا ندرك بأن أمرها صار إلى ما صارت إليه معظم المنشآت التي كانت تشع حضارة في تاريخ هذه الأمة العظيمة، وأن حالها تقلب ما بين أزمنة الازدهار والانحطاط تقلب حال المدارس والمعاهد والمساجد، فلا يغرن من يقف على أبواب واحدة منها اليوم ما صارت إليه من ابتعاد عن التأثير العلمي والديني وحتى السياسي في نفوس مريديها وروادها لأنها إلى عهد قريب كانت تؤثر في صناعة أخطر القرارات في حياة المغاربة، وليس هنا مقام الحديث عن الزوايا المنتشرة في ربوع المغرب وتأثيرها إذ سنكتفي بالتلميح إلى مجموعة  من الزوايا المعروفة بمدينة فاس مع الإشارة إلى بعض الأدوار التي اضطلعت بها في حياة الفاسيين والمغاربة عموما بالنظر إلى أن تأثيرها غالبا ما كان يتجاوز الرقعة الجغرافية التي تنتمي إليها.

        ولعل أهم دور قامت به الزاوية منذ نشأتها الأولى هو توفير المأوى والطعام لعابري السبيل والمحتاجين، وفي ذلك يقول ابن مرزوق في المسند الصحيح الحسن: ” والظاهر أن الزوايا عندنا في المغرب هي الموضع المعد لإرفاق الواردين وإطعام المحتاج من القاصدين “. وهو نفس الدور الذي يشير إليه المقري حين يتحدث عن الزاوية المتوكلية بفاس قائلا:

هي ملــــــجأ للواردين ومورد           لابن السبيل وكل ركـــب ساري

دار على الإحسان شيدت والتقى          فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار

 ولا يخفى أن الزوايا على اختلاف مشاربها تشترك في هذه الميزة وتتنافس في إطعام المحتاجين وعابري السبيل وإيوائهم وهي أفضل مظهر من مظاهر التعبير عن انخراط المجتمع في إعلاء قيمتي البذل وحسن الضيافة، إذ أن موارد هذه الزوايا كانت تتكون غالبا من هبات المحسنين وأوقافهم فضلا عن مساهمات المنتسبين إليها وعطايا السلاطين وإلى هذا المعنى يشير ابن الحاج النميري حين ذكر أن الزاوية المتوكلية عرفت ترتيب جزيات للخدم ليقوموا بتنظيفها وخدمة زوارها وعمل الأطعمة لهم وماتزال الزاوية التجانية إلى يوم الناس هذا قائمة بهذا الدور محافظة على خدمة عابري السبيل والفقراء يؤمها الناس من أقطار الأرض؛ فيحصلون على المأوى والطعام مجانا، يقوم على ذلك أشخاص منقطعون لخدمة زوارها.

 غير أن هذه الزوايا لم تنشأ لتقديم الخدمات والإرفاق وكفى فالأصل فيها أنها رباطات للذكر والعبادة وطلب العلم والدفاع عن بيضة الدين وحوزة الوطن متى أراده عدوه بسوء، وليس يغفل الباحثون في تاريخ الزوايا- دون شك – أن أصل  دولة المرابطين العظيمة كان رباطا أنشأه عبد الله بن ياسين، وكذلك كانت زوايا فاس المنتشرة في كل الأحياء والأزقة أماكن للخلوة والتعبد والانقطاع عن الدنيا والاشتغال بالآخرة.

 ومن هذه الزوايا نذكر على سبيل المثال لا الحصر الزاوية الكتانية  بالقطانين، وزاوية سيدي عبد القادر الفاسي  بالقلقليين، وزاوية سيدي أحمد الشاوي المعروفة كذلك بزاوية الجرف؛ والتي تشرف على الجزء الجنوبي لعدوة القرويين، وتعد واحدة من الآثار المهمة بفاس، والزاوية الصقلية، والزاوية الناصرية، والزاوية الدرقاوية بالمخفية، وزاوية محمد المهدي التي تقع بمحاذاة مدرسة الزاوية الخضراء، ثم نضيف الزاوية المتوكلية الشهيرة التي جرى الخلط بينها وبين المدرسة البوعنانية المتوكلية، وقد وصفها ابن بطوطة في كتاب رحلاته بأنها ” لا نظير لها في المعمورة في إتقان الوضع وحسن البناء والنقش في الجص؛ بحيث لا يقدر أهل المشرق على مثله ” وقال عنها أنها أبدع وأشد إتقانا وإحكاما من زاوية “سرياقص” التي تعد مفخرة المشرق في العمارة والبناء.

        إن هذه الزاوية التي اعتقد المستشرقون ومؤرخو المغرب لزمن طويل  أنها المدرسة البوعنانية عينها لاندثار معالمها، قد جرى اكتشافها في السنين الأخيرة على يد العلامة عبد الهادي التازي الذي أنفق زهاء ثلاثة عقود من عمره في التنقيب عن معالمها إلى أن اهتدى إلى مكانها  بظاهر فاس على ضفة وادي الجواهر. ولو شئنا التوسع في تتبع زوايا فاس واستقصاء أخبارها لوجدنا أنها بالعشرات؛ حيث لا يكاد يخلو منها حي أو تجمع سكني بالمدينة القديمة مما يعطي انطباعا أنها كانت إلى حدود الأمس القريب جزءا من حياة الفاسيين، وأن ارتباطهم الوجداني بها ساهم إلى حد كبير في استمرارها.

 ونشير هنا إلى أن معظم هذه الزوايا اليوم قد تم إغلاقها لأسباب مبهمة؛ فإذا كان تصدع جدران بعضها يبدو سببا معقولا لإغلاقها فإن البعض الآخر مايزال قادرا على النهوض بالأعباء التي أنشئ لأجلها فيكون إغلاقها على ذلك غامض الأسباب خاصة وأن معظم الزوايا المتصدعة البناء لم تشهد أي نوع من أنواع الترميم، ولم تحدد الجهات المختصة أجلا معينا لإصلاحها.

 ولنعد للحديث عن أدوار الزوايا الفاسية؛ لنضيف إلى ما تقدم أنها كانت مدارس علم  بكل ماتحمله الكلمة من معنى، ويكفي أن نستعرض أسماء بعض مؤسسيها وأتباعها، وأن نقف عند آثارهم العلمية لإدراك أهمية دورها العلمي.  فالزاوية التجانية مثلا أنجبت أجيالا من العلماء الكبار من أمثال أحمد بن المأمون البلغيثي صاحب ” الابتهاج بنور السراج “، وأحمد سكيرج صاحب  ” الظل الوريف ” ، ومحمد بن المشري الحسني صاحب ” الجامع لما افترق من  العلوم “، وعلي حرازم بن العربي وغيرهم، وأنجبت زاوية سيدي عبد القادر الفاسي أديب عصره ابن زاكور الفاسي الذي يشير إلى أنه تلقى أولى معارفه على يد العلامة عبد القادر الفاسي، وفي أحضان هذه الزاوية ترعرع عبد الرحمان  الفاسي الذي خلف ما يناهز مائتي كتاب منها “الأقنوم في مبادئ العلوم” الذي يضم مبادئ ما يفوق مائتين وثمانين علما برع فيها المؤلف جميعها.

 وأنجبت الزاوية الصقلية جيشا عرمرما من العلماء منذ تأسيسها، نذكر منهم على سبيل المثال محمد الفاطمي بن الحسين الصقلي المتوفى عام ( 1833 م _ 1311 هـ)، وقد ضمت هذه الزاوية على غرار باقي الزوايا مكتبة حوت أعدادا هائلة من الكتب والمخطوطات النادرة، وأما الزاوية الفاسية التي أسسها العالم أبو المحاسن الفاسي؛ فقد أغنى مريدوها المكتبة المغربية بتواليفهم في الشعر والأدب وباجتهاداتهم الفلكية وأبحاثهم في الطب، ولم تكن أهميتها العلمية لتقصر عن باقي الزوايا المذكورة، ومن هذا الحديث الموجز المقتضب عن مساهمة زوايا فاس في إثراء الحياة العلمية بالمدينة نستشف أنها خلقت أجواء علمية فريدة، تميزت بالتنافس في توفير المناخ الملائم لطلبة العلم والمريدين لتعميق مداركهم وتوسيع معارفهم، وبفضلها تحولت فاس  إلى مجال خصب لترعرع العلماء ونبوغهم فلم يكن مستعصيا أن يقابل صغار الطلبة عبد الرحمان الفاسي، ويأخذوا عنه مشافهة وهو الذي طبقت شهرته الآفاق، وذاع صيته داخل المغرب وخارجه، ولم يكن مستحيلا أن يسمعوا شرح صحيح البخاري بالزاوية الدرقاوية من فم أحمد بن سودة.

 وهكذا صار بإمكان حرفيي فاس وعمالها أن يأخذوا من العلوم بنصيب وافر حتى قال بعض زوار فاس في تلك الأزمنة الذهبية إنه لمن المستغرب أن يجادلك عمال الفرن والجلود بفاس في أدق المسائل العلمية، ولم يقف دور الزوايا الفاسية عند هذا الحد فقد كان لها حضور سياسي وازن في مختلف العصور. ونقتصر هنا على ذكر بعض الأمثلة القليلة التي تلخص مشاركة زوايا فاس في صياغة قرارات لها تأثيرها في كل بلاد المغرب بل وتتعداه أحيانا إلى دول الجوار.

        إن الزاوية الكتانية مثلا كان لها أثر مباشر مثلا في عزل السلطان عبد العزيز العلوي؛ من خلال فتاوى أبي الفيض ومحمد عبد الحي الكتاني، وسجل التاريخ أنها دخلت في صراع مباشر مع السلطان عبد الحفيظ الذي أمر بجلد أبي الفيض في سجن بولخصيصات إلى أن فارق الحياة، وكان لها موقف مشهود كذلك من المستعمر الفرنسي؛ إذ دعا أبو الفيض إلى عقد مؤتمر عام 1908م بمكناس ضم أعيان الأطلس للدعوة إلى الجهاد ضد المستعمر، وقد ساهمت الزاوية الكتانية في إرساء الأمن بفاس؛ حيث ذكر روجيه لوتورنو أن ألفين من منتسبيها كانوا يتدربون على الرماية خارج باب الفتوح على يد أحد شيوخهم للحفاظ على الأمن بالمدينة، كما أصبحت مأوى للعلماء والزعماء الفارين من بطش حكامهم في سائر بلاد الإسلام من أمثال علي بن ظاهر الوتري وخير الدين التونسي وغيرهما.

و كان للزاوية التجانية أثر دعوي وسياسي حاسم في كل إفريقيا حيث بلغ عدد أتباعها في نيجريا لوحدها عشرة ملايين نسمة مما دفع المستشرق “بوني موري ” للقول بأنه كان من شأن الإسلام أن يغزو كل إفريقيا لولا الضربة التي أنزلتها فرنسا بالطريقة التيجانية وشبه الضربة الفرنسية للتيجانيين بمعركة بلاط الشهداء التي أوقفت المد الإسلامي بأوربا.

ومعلوم أن محمد بلعربي الدرقاوي مؤسس الزاوية الدرقاوية، وداعية الجهاد ضد المستعمر الفرنسي في جنوب شرق المغرب إنما تلقى مبادئ العلوم والتصوف من زوايا فاس، ثم انتقل بعدها إلى الجنوب الشرقي؛ ليرسي قواعد أكبر حركة مناهضة للمد الاستعماري، وقد عرف بموقفه المتصلب من اقتطاع  أراضي المغرب لفائدة المستعمر؛ مما جلب عليه نقمة المخزن، وأدخله في صراع مباشر مع سلطاته.

 وعليه  فهذه الزوايا التي تحدثنا عنها وتلك التي لم نشر إليها كانت لصيقة بحياة الفاسيين ليس على المستويين الوجداني الاجتماعي فحسب؛ بل على المستوى العلمي والسياسي كذلك. إن هذه الزوايا لعبت أدوارا حاسمة في الحفاظ على الاستقرار والسلم الاجتماعيين في فترات الاضطراب التي عرفتها فاس في تاريخها المديد، ولشيوخها الفضل كل الفضل في سد  الثغرات التي عجزت السلطة عن سدها في كثير من الأحيان خاصة فيما يتعلق بإدارة مصالح الناس وضمان معاشهم في فترات الأوبئة والمجاعات والاضطرابات.